السبت، 27 يونيو 2026

الحجاج بن يوسف الثقفي

 

محكمة الذاكرة

بعد أن نامت القرون،
واطمأن الغبار
إلى كتفي الكتب،

فتح الزمن
آخر محكمة.

لم يكن فيها
قضاة.

ولا شهود.

كان فيها فقط...

أسماء.

كل اسم
يجر وراءه
قرنًا من الصراخ.


رأيت رجلاً
يحمل على ظهره
تمثالاً من رخام.

قالوا:
هذا قديس.

ولم يسأل أحد
كم مرة
بكى
قبل أن يصير حجرًا.

ورأيت آخر
يجر سلسلة
من اللعنات.

قالوا:
هذا طاغية.

ولم يسأل أحد
من كتب
أول لعنة.


هناك...

لا يُوزَن الرجال
بما عاشوه،

بل
بما بقي منهم
في أفواه الآخرين.


كل جيل
كان يدخل
وفي يده
فرشاة.

يزيد
طبقةً جديدة
من الطلاء.

حتى اختفت
الوجوه.

وبقيت
الأقنعة.


ثم...

فُتح الباب.

ودخل رجل
لم يسبق اسمه
خطاه.

دخل
والصمت
يمشي أمامه.

لم يحمل
سيفًا.

بل حمل
صندوقًا
امتلأ
بأسئلة
لم يجب عنها
أحد.

قال:

أنا
ذلك الذي
تركتموه
بين كلمتين:

جلاد...

أو منقذ.

ولم تمنحوه
حق أن يكون
إنسانًا.


قال:

عدّوا
الرؤوس
التي سقطت...

لكن...

اعدّوا أيضًا
الحدود
التي بقيت.

اكتبوا
صوت السيف...

ثم اكتبوا
صوت القوافل
حين نامت
آمنةً
على الطرق.

اكتبوا
النار...

ثم اكتبوا
البيوت
التي لم تصلها.


اكتبوا
أن الشرق
فتح أبوابه،
وأن رايات الإسلام
عبرت السند
وما وراء النهر،

لا لأن الريح
كانت تهب وحدها،

بل لأن رجالًا
حملوا الدولة
على أكتافهم،
ثقيلةً
كجبل.


واكتبوا...

أن الحروف
كانت تضيع
في أفواه الناس.

وأن المصحف
احتاج
إلى عينٍ
تحرس حروفه،
حتى لا يتيه
المعنى
بين نقطة
وأخرى.


ثم ابتسم
ابتسامةً
تعبت
من الانتظار.

وقال:

لا أريد
أن تمسحوا
دمي.

ولا أن تغسلوا
يدي.

فالسلطة
لا تخرج
من التاريخ
بثوبٍ أبيض.

لكن...

لا تتركوني
أيضًا
داخل ثوبٍ
أسود
نسجه
خصومي
وورثه
أحفادهم.


عندها فقط...

عرفتُ
أن الرجل
كان الحجاج.

ولم أندهش.

لأنني
لم أكن أسمع
صوته وحده.

كنت أسمع
كل الذين
تحولوا
إلى حكمٍ واحد.


ومنذ تلك الليلة...

كلما قرأتُ
كتابًا في التاريخ،

نفختُ
عن الصفحة
غبارًا قليلًا...

لعلَّ
وجهًا آخر
يخرج
من بين السطور

 

الجمعة، 26 يونيو 2026

عودة الأشباح (عندما عاد الزمن إلى الوراء)

 

 

عودة الأشباح

(عندما عاد الزمن إلى الوراء)

ذات صباح...

استيقظت القرية
وقد نسيت عاداتها القديمة.

لم يركض أحد
خلف موكب رسمي.

ولم تتدافع الأكتاف
نحو موائد الوعود.

كان في الهواء شيء غريب...

كأن التاريخ في حالة انعطاف  
أخطأ في قراءة ساعته.

أو كأن يداً خفية
أدارت المشهد كله
في الاتجاه المعاكس.

فعادت الساعة
تمشي
على آثارها.


وعادت إلى حناجر الخطباء
الكلمات.

ونزلت من الجدران
اللافتات.

وغادرت وجوه المرشحين
الابتسامات.

فبانت الوجوه
على حقيقتها.

وعادت الأيدي المصافحة
إلى أصحابها.

وقفزت الوعود
من دفاتر البرامج الانتخابية
وعادت إلى جيوب أصحابها.

وانسحبت القبلات
والمعانقات.

وعادت أكياس الدقيق
إلى الشاحنات.

وخرجت الأوراق النقدية
من الجيوب
وعادت إلى الخزائن.

وعادت الشاحنات
التي حملت الأنصار
إلى حيث جاءت.

وعادت الصور العملاقة
تبكي في المطابع.

وخرجت الأصوات
من عتمة الصناديق
وعادت إلى أصحابها.

ومحي الحبر الانتخابي
عن الأصابع.

وعادت الألسنة الملونة
إلى لونها الأول.

وعادت النتائج
إلى شاشات الانتظار.


ثم...

فُتحت الصناديق
مرة أخرى.

هذه المرة
لم يجد أحد
خطباً.

ولا شعارات.

ولا صور زعماء.

كان بداخلها
شيء آخر.

خرجت مدرسة
كانت مختبئة
منذ عشرين عاماً
في جملة اعتراضية.

وخرج مستشفى
عالق
بين فاصلتين.

وخرج طريق
كان نائماً
في هامش برنامج انتخابي قديم.

وخرجت فرص العمل
من المقابر الورقية.

وخرجت العدالة
تمسح الغبار
عن عينيها.

وخرجت الكرامة
كطائر
نجا أخيراً
من قفص الخطابة.

وعادت الأشباح
التي كانت تسكن الوعود
إلى قبورها.

أما الأشياء الحقيقية
فبقيت.


وعندما أُعلنت النتائج...

لم يصفق أحد.

لم تخرج المواكب.

ولم تُطلق الألعاب النارية.

كان الناس
منشغلين
بشيء
لم يروه من قبل:

وطن

خرج من زنزانة اللغة

ومشى على الأرض.

وعندها فقط
عُرف الفائز.

لا المرشح.

لا الحزب.

لا العشيرة.

بل المواطن

الذي تأخر كثيراً

في الوصول

إلى وطنه.