الثلاثاء، 9 يونيو 2026

 

معلمة نشيطة

كانت لا تتوقف عن الطيران،
لم تعرف التعب يوما،
ولا اتخذ الوهن منها مكان.

رأيتها مرارا
تحلق فوق دفاتر الصغار،
وتجمع من شرفات الصباح
ما تناثر من أحلام وألوان.

تري صغارها
عجب السماء وعجاب الأكوان،
وتفتح في أعينهم
نوافذ للدهشة
بعد أن ضاقت بهم الجدران.

تجعل لكل شيء اسما،
ولكل درب عنوان،
وتزرع في القلب الصغير
بذرة السؤال
قبل أن يغتالها النسيان.

قلت لها:

كيف تنبتين من الحروف حدائق،
وتطلقينها في دروب الصغار
كالعصافير والألحان؟
وكيف تظل كلماتك
محلقة في الآفاق،
لا يثنيها تعب
ولا يوقفها زمان؟

فأجابتني
بالتفاتة خفيفة
كأنها نسمة عبرت بين الأغصان:

أتمنى لو أستطيع،
أيها الزميل،
لكني لا أعرف السكون.

ليس لي بيت
أنشد فيه الأمان،
ولا سرير
أرتمي عليه
إذا داهمني النعاس أو التعب المصان.

أنا ابنة الطرقات البعيدة،
وابنة السبورة والطبشور
وصوت الجرس
في مطلع كل أوان.

إذا وصل الصمت
تبخرت واختفيت،
كما يختفي الضباب
عند أول الأذان.

فإن مت
تحت وطأة الصمت المهان،
فمن يعين الكلمات؟
ومن يضع في يدها العنان؟

لن أنتظر كثيرا،
سأبني من بنات جنسي بستان.

يتعايش فيه البشر
مع الصبار والنخيل والأقحوان.

سأجعل من أوراق الكراريس جدرانا
تصد الريح والحرمان،
ومن المحافظ أرضيات،
ومن الأقلام أشجارا
تمد ظلالها
في كل مكان.

وسأجعل الحقول من حروف،
يكبر الناس فيها
متوهجين كالرمان.

وتنحني السنابل
كلما مرت يد المعرفة فوقها،
فيتعلم الأطفال
كيف يصنعون من السؤال
سلما نحو الإنسان.

فلا سيف في بستاني
إلا قلم،
ولا جيش
إلا أمة من التلاميذ الحالمين بالأمان.

وسأسقي بحبر مني
النبات والحيوان والإنسان.

هنا لا مكان للصمت،
في بستاني هذا
تزهر الكلمات
في كل أوان.

لن يبقى في مملكتي
عار ولا فقير ولا جوعان.

سأقدم لهم أطباقا
تفيض بالفواصل وبالبيان،
وأمنحهم مفاتيح المعاني
وأبواب البيان،

لعلهم يفهمون
ما عجز عن قوله الزمان.

 تاوريرت 2026
 

 

الاثنين، 8 يونيو 2026

البلدة التي تنتخب ظلَّها




البلدة التي تنتخب ظلَّها
(إلى غابرييل غارسيا ماركيز.. إلى ماكوندو، مرآة قريتي)
في قريتي الصغيرة،
لم يكن رئيسُ البلديةِ وحده مَن يحكم؛
كانت البلدةُ نفسها
تشاركُ في الحكمِ بصمتٍ قديم.
وكانت الحفرةُ عند مدخلها
أقدمَ من الذاكرة.
يقول الناسُ إنها ليست حفرة،
بل فمٌ مفتوحٌ على شيءٍ لا يُغلق.
كلَّما أُعلن عن مشروع طريق،
اتسعت قليلاً،
كأنها تسمعُ وتبتسم.
وكلَّما اقترب موسمُ الانتخابات،
تتنفسُ بعمق،
وتصبح أعمق من اسمِها.
أما رئيسُ البلدية،
فلم يكن يختفي تماماً؛
كان يظهرُ فقط حين تحتاج البلدةُ إلى وعد.
يقولون إنه لا يعيش داخل الزمن،
بل داخل تكرارِه.
لا يشيخ،
لأنَّ البلدةَ تعيدُ إنتاجَه.. حتَّى ولو أصابَهُ الوهَن.

في قريتي الصغيرة،
كانت الوعودُ مادةً تُخزَّن في الهواء.
تخرجُ من الخطابات،
وتبقى معلّقةً فوق البيوت،
حتى يذوب بعضُها في الضوء،
والبعضُ الآخرُ
يسقط في الحفرةِ.. فتلتهمه بهدوء.
وحين ضاقَ الشبابُ بالبطالةِ،
لم يكن ذلك حدثاً اجتماعياً فحسب؛
كان علامةً على أنَّ البلدةَ
ترشُّ الغبارَ على أجنحةِ أبنائِها،
لكي لا يطيروا.. خارجَ سياجِها.
صار الخطابُ واضحاً:
"فرصٌ قادمة.. مشاريعُ ستُولد.. وأبوابٌ ستُفتح حين تتهيأ الظروف".
لكن الأبواب كانت تعرف أنها لن تُفتح؛
كانت فقط تتظاهر بأنها أبواب.
أما البطالة،
فلم تكن حالةً اقتصادية،
كانت كائناً يعيش بين البيوت،
ينام على العتبات،
ويقتاتُ في المقاهي من الطاولات،
ويستيقظ في مواعيد الانتخابات.
وفي كل مرةٍ يُقال فيها "حلٌّ قريب"،
كان يضحك بصوتٍ لا يسمعه أحد.

وفي كل موسمٍ انتخابي،
كانت البلدةُ تدخل في نوبة تذكّر.
تخرجُ الخصوماتُ من الجدران،
وتطلُّ الضباعُ برؤوسِها القبيحةِ.. خارجةً من نومٍ طويل.
لكنها لم تكن تبحث عن فريسة،
كانت تبحث عن إنسان.
الأبُ ينسى ابنه لحظة التصويت،
والابنُ يمرُّ بجوار أبيه كأنهما خطّان متوازيان..
يفصلُ بينهما سلكٌ شائك.
الأسماء تبقى، ولكن أصحابها يتغيرون.
وتتحولُ موائدُ العشاءِ إلى طقوسٍ باردة;
الكلماتُ هنا لا تُقالُ لتبقى،
بل تُساقُ كالأسرى نحو الصناديق..
تصويتاً يقطعُ تذكرةَ اتجاهٍ واحدٍ،
إلى قاعِ الحفرة.
وفي مكانٍ ما،
كانت الحفرةُ تكبر؛
لا لأنها تُحفر، بل لأنها تتذكّر.
أما السلطةُ، فلم تكن في الأعلى،
كانت في كل مكانٍ لا يُرى فيه أحد.
وفي كل مرةٍ تتشاجر البلدة مع نفسها،
كانت تبتسم؛
لأنها لا تحتاج أن تفعل شيئاً،
يكفي أن تترك الناس
ينتخبون أنفسهم.. ضد أنفسهم.

وفي كل دورةٍ انتخابية،
لم تكن البلدةُ تختار أشخاصاً،
كانت تختار شكل نسيانِها،
وتعيد إنتاج نفسها،
كما تعيد الحفرةُ إنتاج عمقِها.
وحين تنتهي الانتخابات،
لا شيء يعود كما كان،
لأن لا شيء كان قد ذهب أصلاً؛
فقط التعب يتغير،
والصمت يصبح أثقل.
ويكتشفُ الأبُ أنه فقد ابنه
في مكانٍ لم يحدث فيه قتال.
ويكتشفُ الابنُ أنه فقد أباه
في لحظة تصويت.
ويكتشفانِ معاً..
أنَّهما فُقِدا.. يومَ قرارِ التفويت.
وتكتشفُ البلدةُ
أنها طوال الوقت..
كانت تنتخبُ الحفرة،
وتظنّ أنها تنتخب مستقبلها.
أما الحفرة،
فكانت في تلك الليلة أوسع من المعتاد،
كأنها سمعت النتيجة،
وكأنها قررت أن تبقى مفتوحةً..
إلى أجلٍ غير مسمى.
دبدو2026

الأحد، 7 يونيو 2026

محضرُ المحاكمةِ لطفلٍ مدلل

 

الاعتراف الأول

 

أعترفُ أنني
لم أكن أرى ما أفعلْ
حين كنتُ أفعلْ،

كأنَّ الفعلَ كان يسبقُ وعيي،
كنت  لا أراقبُهْ و انا اتبع خطاه  ،
أوقّعُ على صك .. دونَ أنْ أقرأهْ،
ودونَ أنْ أعرفَ مداهْ.

وحين بدأتُ متأخراً أراهُ
لم أعدْ متأكداً:
هل كنتُ أنا الفاعلَ في حكايتِهِ،
أم كنتُ أولَ ضحاياه ؟


النية

 

كنتُ أظنُّ أنَّ الحبَّ
يعني أن لا أتركَ فراغاً في حياتِهْ،
فملأتُ بالدَّلالِ كُلَّ جهاتِهْ.

أبعدتُ عنه طعمَ الانتظارْ،
وشطبتُ من قاموسِهِ كلمةَ: لا.

لم أكن أربّيهِ على النظامْ،

كان فلذة كبدي
كنتُ أزيحُ عنه العالمَ.. ليَنامْ.


إخفاء البصمات

 

وحين كان يخطئُ في العَلَنْ،
كنتُ أسبقُ الخطأَ بالضحكِ..

وفي أعماقي أدفعُ الثَّمَنْ،
و أدفنُ زلَّتَهُ تحتَ الصَّمْتِ والشَّجَنْ.

كنتُ أخافُ أنْ أقولَ: هذا خَطأْ.

فكبِرَ الفتى..
دون أن يرى المسافةَ بين الفعلِ.. والمِحَنْ،.


محو الأثر

 

كنتُ أجمعُ فوضاهُ عن الرَّصيفْ،
أرفعُ من طريقِهِ كُلَّ حَجَرٍ يبدو لي  مخيفْ،
كُلَّ ما تركتْهُ يداهُ من عَبَثٍ خفيفْ.

أمحو آثارَهُ الصغيرةَ بدقَّةٍ،
كما يمحو المدُّ.. آثارَ الأقدامِ على الرَّملِ،
فيضيعُ الفارقُ.. بين الجِدِّ والهَزْلْ،

فلم يتعلمْ أبداً
أنَّ للأشياءِ ذاكرةْ،
وأنَّ الأيامَ دَائرةْ.


النوافذ المفتوحة

 

فتحتُ له النوافذَ كُلَّها،
فدخلَ العالمُ دفعةً واحدةْ،
بضجيجِهِ، شهواتِهِ، وصورِهِ البائدةْ.

ولأنني لم أشرحْ لهُ شيئاً من المتاهْة،
لم يعدْ يفرّقُ في هذهِ الحياةْ..
بين ما يُفهمُ كقيمةْ،
وما يُستهلكُ كغَنيمةْ.


شهادة الدفاع

 

وكلما أُدِينَ في سُلوكِهْ،
قلتُ دفاعاً عن ملِكٍ وعروشِهْ:
العالمُ ظالمْ! يا بني

حتى صدّقَ أخيرًا..
أنَّ العدالةَ تعيشُ خارجَ جسدِهْ،
وأنَّ الخطأَ نَبْتٌ.. ينمو دوماً في حقولِ الآخرينْ،
لا في يدِهْ.


الحكم


 

الآنَ أفهمُ متأخراً في خِتامِ الرِّوايةْ،
أنني لم أكن أربي طفلاً.. منذُ البدايةْ.

كنتُ أكتبُ سلوكَ العالمِ
في شخصٍ واحدْ،
سطراً بعد سطرٍ.. بِقلمٍ جامدْ،
دون أن أعودَ مرةً واحدةً.. إلى النَّصِ الأوَّلِ.

وما زلتُ، حتى هذه اللحظةِ المُرَّةْ،
غيرَ قادرٍ على تحديدِ اللحظةِ الجسيمة ،
التي توقفَ فيها الحبُّ.. عن كونهِ حُباً،
وبدأَ يشبهُ.. الجريمةْ!