الجمعة، 29 مايو 2026

 انا طفل ككل الاطفال

أنا طفل من الأطفال ..
و كطفل ككل الأطفال
خلقت في هذا العالم بينكم
في نسخة فريدة بلا مثال
فلماذا تقارنونني و تفاضلونني
بين إخوتي و بين الأقران ؟
أنا طفل مثل الأطفال
وما خلقت لأطل على العالم من مقاعد
خشبها صندل خضوع و امتثال
أو أنتظم في صف طويل
لأنحت للجمود صنم اعتدال .

أنا طفل ككل الأطفال
تصارعت مع آلاف الأقران
و أنا الوحيد من دخل البويضة :
وعن جدارة استحق لقب الأبطال
و خرجت من بطن أمي
في أبهى صورة الاكتمال
حتى أتيتكم و عاشرتكم
و يا للخسارة
نعتُّموني بصفات الحمير و البغال .
هل تعرفون ما أحس به
حينما تخنقون النفس
و تقطعون الأوصال ؟

أنا طفل من الأطفال
ممنوع من الصرف لعلتين :
فقير و قاصر ..
و تلك تهمتي ،
والحقيقة ليست دائما كما تبدو
فأنا قابل للصرف

  • عكس ما تدعيه بيداغوجية الخرف -
    أنا قابل للصرف و في كل الأحوال ..
    الله أعطاني دماغا مرنة
    تتقمص في يسر و سهولة
    كل الضمائر و الأفعال
    و ما على البالغ إلا أن ينصت إليّ
    و يرافقني في الرحلة و الترحال
    كالمطر و الشمس يرعيان
    شجيرة صغيرة في أعالي الجبال .

الله خلقني في أحسن صورة
و أعطاني ما أردع به عدوي
من أصغر خلية إلى ساحات القتال
فقط دعوني أصعد وحدي
منقبا عن طريقي إلى التلال
فأنا لا أحتاج إلا لصعود الروح داخلي
لا إلى ما ترمون به داخلي من الحبال
و كأني بكم تجرونني خلفكم جرا
كما تجر النوق و الجمال
تحيدون بي عن طريق يستقيم
و تضعون في دربي الأعطال
تقطعون بي الصحراء و الهجير
و تطعمونني من غبار الرمال .

أنا طفل من الأطفال
أعطاني الله من العتاد
ما يكفي و ما يشفي
و ما سيستهلك ليعاد
لكنهم أقحموا في داخلي
الخوف و الخضوع
و هاتفا في العقل جوال
و أصروا على تطعيمي
بالحروف و الرموز و الأمصال
و جعلوا من معلمي
الصديق و الحارس و البقال
يحرسني في مغارة تحت السرداب
يعطيني حلوى تحوم حولها أسراب الذباب
ألتهمها أمامه و الكل مرتاح البال .

الضمائر الآن نائمة
ربما لن تجد الوقت للتململ
وصل الغزاة
و جاء الوبال .

أنا طفل ككل الأطفال
وددت منكم لو تصغون إلى
ضعفي و صغري و مهجتي
كما تصغون إلى مباهجكم
و تصغون إلى الخزائن و الأموال .
أن تدعوني أعبر إلى بداياتي الأولى
و لا تنحتوا مني في المدارس تمثال
فأنا لم أخلق حمارا
لأحمل أسياد السوق و الأثقال
خلقت برعما يتفتح حرا
و حركة تدب في المفاصل و الأوصال
و كوني مقبلا جديدا على الدنيا
لا تقتلوا في داخلي
بذور الفضول و الرغبة
على مذبح الطاعة و الامتثال .

أنا طفل ككل الأطفال
و علي أن ألتصق بمقعدي
و علي أن أعيش مع خوفي
و أبتهل كل لحظة إلى الله كل الابتهال
أن يكفيني غضب البالغين
و لا تنزل علي الضربات و اللعنات و تنهال
لهذا أجنح للصمت
و لا فرق بينه و بين الموت
على التعرض للسخرية و الإهمال .

أنا طفل ككل الأطفال
أنا في طور التجربة و التكوين
و حتما ليس لدي اليقين
و قد أخطئ
و لا أعرف ما الذي يجب أن يقال .
بجرة قلم غبي و قلب غبي
توضع شخصيتي و ثقافتي و تاريخي
مكدسة جثثا في حفرة في الميزان
و أصنف في سلم للمحرمات من الأفعال
و هكذا بشديد البساطة
لن تضرب بي القرارات و الأمثال
و سأعيش ما تبقى مني و من حياتي
وسط الهجير ، خارج الظلال .

و لا أدري هل تحسون بما أحس
حينما أسحب من جميع السياسات
و يرمى بي في سلة الأزبال ؟
تعزلونني عن أقراني
في أسفل سلم الحياة
و أقاصي درجات الانعزال
وحدي مع الحزن
أعاني ما تبقى من حياتي :
نظرات الاحتقار و الإذلال .

يموت العالم في داخلي
أتقوقع و أرجع إلى الداخل
في رحلة لآلاف الأميال
كل هذا ... و ما سيأتي لأنني
لم أفهم ما يقال ؟

صباح الخير أيها الإحباط
طريدتك طفل من الأطفال
خريج مدرسة يفترض
أن تكون الكمال و الجمال
و ليس ممرا
نحو أقصى درجات العزلة و الانفصال .

أنا طفل من الأطفال
أتوا بي من حيي و منزلي
إلى مدرسة تحيطها أسوار
و يحرسها صدى الأقفال
أجلسوني و قالوا : انتظر
عما قليل ستضيء الأنوار
و سننتشلك من الظلام انتشال .

لا تسرح بخيالك في البعيد
و ركز فقط على ما سنقول لك
لأن ذلك هو ما نحتاجه
و ما تحتاجه السوق و الأعمال .

هذا ما أوصاني به حارسي
و أضاف :
إياك و إياك من فكر رومانسي
لا يصلح إلا لمهنة زبال
و كن من الطيعين الذين
يأكلون من طيبات الامتحانات الحلال
يسودون فوق الناس
يرثون كل الأرض و من عليها :
الحمير و السلة و الغلال .

و أنا طفل ككل الأطفال
جئت لأفرح في الحياة
و أتنفس عبير الحياة
ما أتيت للمدرسة للمنافسة و الافتعال
و لا أتيت غازيا مناطق أقراني
فلا تفاضلني و لا تقارنني
و لا تضع أمامي سلمك النقطي
سلم القهر و التمييز و الاحتيال .

المنافسة كانت و لا تزال منذ القدم
أول خطوة على درب القتال
أول رغبة للاستئثار بالسلة و الغلال
فاحذروا تلك المناطق الرمادية
و احذروا نظريات تكسوها الظلال .

أنا طفل من الأطفال
خلقت حرا طليقا
بلا سلاسل و لا حارس و لا أقفاص
خلقت من دهشة صغيرة
و علقت على البالغين كل الآمال
لكي أصعد أبعد مني ذات يوم
و أرى ما وراء الجبال
لكنهم وضعوا في معصمي
ألف خلخال و خلخال
ربطوني إلى حجر و رموني
و قالوا : إياك أن تغرق .

و ها أنا الآن بالكاد
أصعد الروح المعذبة بلا استبسال
و أطأطئ حلمي بين يدي
دمية احتضنتها
حتى لا يجرفني تيار الاستئصال .

أنا طفل من الأطفال
و أنا مقبل على الحياة
و أود أن تكون حياتي جميلة
بعيدة عما لا يراه البالغ من أهوال .

أنا طفل من الأطفال
لي خلايا أحس بها
و إحساسات أستشعر بها العذاب
فلا تغيروا سلوكي بالنقطة و العقاب
فالتغيير بالعنف آلة تدمير
وسيكون علي وبالا فوق وبال
و سأحمله طول حياتي
مرضا مستعصيا عضال .

رجاء أيها البالغون
أعيدوا إلى التربية عقربها المائل
فالوقت من تربية
و ليس من ذهب أو خزائن مال
وحدها التربية باقية
و غيرها فان و معرض للزوال
التربية هي الحل
و غيرها مؤامرات على المستقبل و احتيال .


 

مساءٌ خريفيٌّ أصفرُ لخمياء "المنكوب"

أطيرُ،
كما لو أنّ لي أجنحةً
لهذا الخطِّ المستقيمِ
الضائعِ بين بوعرفةَ والرّيح.

هنا
في "المنكوب"،
لا شيء سوى الصحراءِ
تبدّلُ جلدَها كلَّ مساء،
وسوى مدرسةٍ صغيرةٍ
منسيةٍ عند آخرِ العالم.

أنا المعلّمُ
الذي يفتحُ بابَ القسمِ
على الفراغ،
ويكتبُ بالطباشيرِ البيضاء
فوقَ سبّورةٍ متعبة
كي لا يصدأَ الصمت.

لا هاتفَ هنا
غيرُ صفيرِ الرّيح،
ولا أخبارَ
غيرُ زوابعِ الرملِ
حينَ تعبرُ الساحةَ
مثلَ قطيعٍ هائج.

في الليل،
أسمعُ الوحدةَ
تمشي حولَ الغرفةِ الطينيّة،
وتنقرُ زجاجَ النافذةِ
كطائرٍ أعمى.

أحياناً
يمرُّ الرُّحَّلُ
بوجوهٍ أكلتها الشمس،
يتركونَ خلفهم
رائحةَ الحليبِ والدخان،
ثمّ يذوبونَ
في الجهاتِ البعيدة
كأنّهم سراب.

أيُّ منفى هذا
الذي لا قطارَ يصلُه،
ولا رسائلَ،
ولا امرأةٌ
تعلّقُ ضحكتها
على حبلِ المساءِ؟

حتى الوقتُ هنا
يمشي بعكّازين،
والأيّامُ
متشابهةٌ
كحبّاتِ الرمل.

أريدُ أن أتيهَ
بأيِّ ثمن،
أن أهربَ من هذا الأفقِ
الذي يضغطُ على صدري
كحجر.

لكنّ "المنكوب"
كانَ كلّما غادرتُهُ
يتركُ في داخلي
شيئاً من غبارهِ الحزين،
وشيئاً من صمتِه القاسي،
و كأنّ العزلةَ
يمكنُ أن تصبحَ وطناً.

 

 

انتخابات في دبدو

في موسمِ الانتخابات
تنفضُ دبدو
غبارَ الأزقة القديمة،
وتخرجُ الوجوهُ نفسها
من صورٍ أكلتها الشمس.

يعودُ الرجالُ
الذين لا يتذكرهم أحد
إلا عند اقتراب الصندوق،
يهبطون من السيارات اللامعة
كأنهم مبعوثو رحمة،
بينما أطفالُ الحي
ما زالوا يطاردون
كرةً من قماش.

في المقهى العتيق
قرب السوق،
يتحدثون كثيرًا
عن الوطن،
عن التنمية،
عن المستقبل،
ثم يتركون خلفهم
فناجين باردة
ووعودًا أكثر برودة.

العجائزُ
اللواتي يعرفن تاريخ الخديعة
ينظرن بصمت،
كأنهن يشاهدن
مسرحيةً قديمة
حفظن نهايتها منذ زمن.

وحدهُ الوادي
يفهم كل شيء.

رأى الرايات تتبدل،
والأحزاب تتقاتل،
والوجوه تُصبغ
كل خمس سنوات
بلونٍ جديد.

لكن الحجارةَ نفسها
بقيت في أماكنها،
والمدرسةُ المنسية
عند أطراف القرية
ما زالت ترتجف
من برد الشتاء
ووحدة المعلمين.

في الليل،
حين تنطفئ مكبرات الصوت،
وتعود السياراتُ
نحو المدن البعيدة،
تبقى دبدو
وحيدةً تحت الجبل،
تعدُّ خسائرها القديمة
على ضوءٍ خافت،
كأرملةٍ
تنتظرُ زوجًا
مات منذ زمن
ولم يخبرها أحد.

 

موسمُ الصناديقِ في دبدو

في دبدو،
حين يهبطُ خريفُ الشعاراتِ
من قممِ الجبالْ،
وتُفتحُ أبوابُ السياراتِ
مثلَ توابيتِ الاحتيالْ،
يخرجُ سماسرةُ الوقتِ
من عطرِ الفنادقِ البعيدة
نحوَ غبارِ الإهمالْ.

يأتونَ
بربطاتِ العنقِ اللامعةِ
والابتساماتِ المعلّبة،
يوزّعونَ على الفقراءِ
خبزًا يابسًا
وخُطبًا معطّرةً
بدخانِ الاستقلالْ.

في الساحةِ العتيقةِ
قربَ المقهى الحجريّ،
يقفُ شيخٌ أحدبُ
مثلَ زيتونةٍ هرمة،
يضحكُ من أكاذيبهم
حتى تسعلَ في صدرهِ
سبعونَ سنةً
من القهرِ والخذلانْ.

يا دبدو،
يا قريةً
تنامُ على كتفِ الريحِ
وتصحو
على نباحِ الدجّالينْ،
كم علّقوا فوقَ جدرانكِ
صورَ المنقذينَ
ثم سرقوا
ماءَ الينابيعِ
وملحَ الحقولِ
وحتى صهيلَ الخيلِ
في آخرِ الليلِ الحزينْ.

كلُّ مرشّحٍ
يأتيكَ
ممتطيًا قاموسَ القبيلةْ،
يلوّحُ للناسِ
كأنّهُ الفاتحُ المنتظرْ،
ثم يتركُ خلفهُ
مدرسةً باردةْ،
وطريقًا تأكلُها السيولْ،
ومعلّمًا
يشيخُ ببطءٍ
بين الطباشيرِ
وأنينِ الفصولْ.

في موسمِ الانتخاباتْ
تصبحُ القريةُ
مثلَ عروسٍ عجوزْ،
يكثرُ حولَ بابها
الخطّابونَ والطبولْ،
لكنّها
بعد انطفاءِ الزينةِ
تعودُ وحدها
إلى صمتِ الصخورْ،
تعدُّ خساراتها
تحتَ قمرٍ مكسورْ،
وتبكي
بصوتِ نايٍ بعيدْ
ضاعَ بينَ المقابرِ
وحقولِ الشعيرْ.