الرجل الذي عاش داخل خمس دقائق
عتبة
فجاة اكتشفت انني تجاوزت حاجز المائة الف مبارة في الشطرنج الخاطف ...
على امتداد مئة ألف مباراة خاطفة، لم تكن الرقعة تكشف لي أسرار الشطرنج بقدر ما كانت تكشف لي أسرار النظر إلى العالم. هناك، بين الوقت والاحتمال والخطأ، تشكل جزء من وعيي. وما يلي ليس حديثاً عن لعبة، بل عن رحلة طويلة في متاهة الفكر واليقين والمعنى
.
داخل رقعة
من أربعة وستين مربعا
تشكل وعيي
لا في كتاب مدرسي أنيق
ولا على يد حكيم عتيق
بل في صمت
يجيء ويغيب،
وفي خطأ صغير
يعيد ترتيب الدروب.
كنت طفلا
أطارد المعنى
كما يطارد عصفور حبة قمح
في مهب الريح،
وأظن أن الطريق مستقيم،
وأن الحقيقة
تقف عند آخره
كشجرة وحيدة
أو كضوء بعيد.
لكنني كلما اقتربت منها
ابتعدت،
وكلما حسبت أنني أمسكت بها
تسربت
كالماء من بين الكفوف.
هناك تعلمت
أن الفكر ليس وصولا
بل رحلة لا تستريح،
بين ظن يضيء الطريق
وظن يتيه ويستريح.
ومع مئة ألف مواجهة خاطفة
كان الزمن يقاس
بخمس دقائق فقط.
خمس دقائق للحلم،
وخمس لخراب الحلم،
وخمس لكي تجمع قلبك
وتبدأ من أول السلم.
هناك تعلمت
أن الوقت سياف
يتقدم في الظلام،
وأن أعظم الأفكار
قد تموت شنقا
حين يسقط علم الساعة
قبل النقلة الأخيرة.
كم من يقين
هدمه رنين الثواني،
وكم من انتصار
كان على بعد لحظة
ثم ضاع.
لم أكن أتعلم كيف أربح.
كنت أتعلم كيف أرى.
كيف أرى الفكرة
وهي تغير وجهتها فجأة،
وكيف يتحول التفصيل الصغير
إلى باب كبير.
وتعلمت
كيف أقدم ملكتي للموت.
لا حزنا عليها،
بل إيمانا
بأن الطريق إلى المعنى
يمر أحيانا
عبر الخسارة.
مئة ألف مرة
جلست فيها
أمام الاحتمال،
ومئة ألف مرة
رأيت اليقين يسقط من غصنه العالي
مثل تينة
أثقلها النضج حتى الموت.
ومع الأعوام
لم تعد الرقعة
خشبا
ولا شاشة مضيئة.
صارت مدينة كاملة
داخل رأسي.
أمشي في شوارعها،
أتعثر،
وأعود.
أضل الطريق،
ثم أكتشف
أن الضياع نفسه
كان الطريق.
ثم اكتشفت شيئا آخر:
أننا لا نعيش
داخل العالم وحده،
بل داخل صوره.
صورة تلد صورة،
ومرآة تحدق في مرآة،
وانعكاس
يجر انعكاسا،
من فكرة
ظلت تدور بين المرايا
حتى نسيت وجهها الأول.
حتى يغدو الوجه
غريبا عن وجهه،
وتصبح الحقيقة
أثرا باهتا
لحقيقة أقدم.
عندها
صرت أخاف من الصورة
حين تنسى أصلها،
ومن الفكرة
حين تدور طويلا
في متاهة انعكاساتها.
حتى انتهيت
إلى حقيقة بسيطة
وحادة كسن السكين:
أن العالم
لا يمنح جاهزا لأحد.
وأننا لا نراه كما هو،
بل كما نعبره؛
خائفين حينا،
وحالمين حينا،
ومتأخرين دائما
عن فهم ما جرى.
داخل أربعة وستين مربعا
لم يتشكل لعبي فقط...
بل تشكل السؤال.
ذلك السؤال
الذي ما زال يمشي إلى جواري
كرفيق قديم:
كيف يغير الخطأ الصغير
مصير الحكاية كلها؟
وهل يبقى للوجه وجهه
بعد هذا التيه من المرايا؟
أم يظل يدور في الزجاج
باحثا عن ملامحه الأولى
كما يبحث المنفى
عن وطنه الأول؟


