الأربعاء، 10 يونيو 2026

الرجل الذي عاش داخل خمس دقائق

 

 

الرجل الذي عاش داخل خمس دقائق

عتبة

فجاة اكتشفت انني تجاوزت حاجز المائة الف مبارة في الشطرنج الخاطف ... 

على امتداد مئة ألف مباراة خاطفة، لم تكن الرقعة تكشف لي أسرار الشطرنج بقدر ما كانت تكشف لي أسرار النظر إلى العالم. هناك، بين الوقت والاحتمال والخطأ، تشكل جزء من وعيي. وما يلي ليس حديثاً عن لعبة، بل عن رحلة طويلة في متاهة الفكر واليقين والمعنى

.


داخل رقعة

من أربعة وستين مربعا

تشكل وعيي

لا في كتاب مدرسي أنيق

ولا على يد حكيم عتيق

بل في صمت

يجيء ويغيب،

وفي خطأ صغير

يعيد ترتيب الدروب.

كنت طفلا

أطارد المعنى

كما يطارد عصفور حبة قمح

في مهب الريح،

وأظن أن الطريق مستقيم،

وأن الحقيقة

تقف عند آخره

كشجرة وحيدة

أو كضوء بعيد.

لكنني كلما اقتربت منها

ابتعدت،

وكلما حسبت أنني أمسكت بها

تسربت

كالماء من بين الكفوف.

هناك تعلمت

أن الفكر ليس وصولا

بل رحلة لا تستريح،

بين ظن يضيء الطريق

وظن يتيه ويستريح.

ومع مئة ألف مواجهة خاطفة

كان الزمن يقاس

بخمس دقائق فقط.

خمس دقائق للحلم،

وخمس لخراب الحلم،

وخمس لكي تجمع قلبك

وتبدأ من أول السلم.

هناك تعلمت

أن الوقت سياف

يتقدم في الظلام،

وأن أعظم الأفكار

قد تموت شنقا

حين يسقط علم الساعة

قبل النقلة الأخيرة.

كم من يقين

هدمه رنين الثواني،

وكم من انتصار

كان على بعد لحظة

ثم ضاع.

لم أكن أتعلم كيف أربح.

كنت أتعلم كيف أرى.

كيف أرى الفكرة

وهي تغير وجهتها فجأة،

وكيف يتحول التفصيل الصغير

إلى باب كبير.

وتعلمت

كيف أقدم ملكتي للموت.

لا حزنا عليها،

بل إيمانا

بأن الطريق إلى المعنى

يمر أحيانا

عبر الخسارة.

مئة ألف مرة

جلست فيها

أمام الاحتمال،

ومئة ألف مرة

رأيت اليقين يسقط من غصنه العالي

مثل تينة

أثقلها النضج حتى الموت.

ومع الأعوام

لم تعد الرقعة

خشبا

ولا شاشة مضيئة.

صارت مدينة كاملة

داخل رأسي.

أمشي في شوارعها،

أتعثر،

وأعود.

أضل الطريق،

ثم أكتشف

أن الضياع نفسه

كان الطريق.

ثم اكتشفت شيئا آخر:

أننا لا نعيش

داخل العالم وحده،

بل داخل صوره.

صورة تلد صورة،

ومرآة تحدق في مرآة،

وانعكاس

يجر انعكاسا،

من فكرة

ظلت تدور بين المرايا

حتى نسيت وجهها الأول.

حتى يغدو الوجه

غريبا عن وجهه،

وتصبح الحقيقة

أثرا باهتا

لحقيقة أقدم.

عندها

صرت أخاف من الصورة

حين تنسى أصلها،

ومن الفكرة

حين تدور طويلا

في متاهة انعكاساتها.

حتى انتهيت

إلى حقيقة بسيطة

وحادة كسن السكين:

أن العالم

لا يمنح جاهزا لأحد.

وأننا لا نراه كما هو،

بل كما نعبره؛

خائفين حينا،

وحالمين حينا،

ومتأخرين دائما

عن فهم ما جرى.

داخل أربعة وستين مربعا

لم يتشكل لعبي فقط...

بل تشكل السؤال.

ذلك السؤال

الذي ما زال يمشي إلى جواري

كرفيق قديم:

كيف يغير الخطأ الصغير

مصير الحكاية كلها؟

وهل يبقى للوجه وجهه

بعد هذا التيه من المرايا؟

أم يظل يدور في الزجاج

باحثا عن ملامحه الأولى

كما يبحث المنفى

عن وطنه الأول؟

الثلاثاء، 9 يونيو 2026

 

معلمة نشيطة

كانت لا تتوقف عن الطيران،
لم تعرف التعب يوما،
ولا اتخذ الوهن منها مكان.

رأيتها مرارا
تحلق فوق دفاتر الصغار،
وتجمع من شرفات الصباح
ما تناثر من أحلام وألوان.

تري صغارها
عجب السماء وعجاب الأكوان،
وتفتح في أعينهم
نوافذ للدهشة
بعد أن ضاقت بهم الجدران.

تجعل لكل شيء اسما،
ولكل درب عنوان،
وتزرع في القلب الصغير
بذرة السؤال
قبل أن يغتالها النسيان.

قلت لها:

كيف تنبتين من الحروف حدائق،
وتطلقينها في دروب الصغار
كالعصافير والألحان؟
وكيف تظل كلماتك
محلقة في الآفاق،
لا يثنيها تعب
ولا يوقفها زمان؟

فأجابتني
بالتفاتة خفيفة
كأنها نسمة عبرت بين الأغصان:

أتمنى لو أستطيع،
أيها الزميل،
لكني لا أعرف السكون.

ليس لي بيت
أنشد فيه الأمان،
ولا سرير
أرتمي عليه
إذا داهمني النعاس أو التعب المصان.

أنا ابنة الطرقات البعيدة،
وابنة السبورة والطبشور
وصوت الجرس
في مطلع كل أوان.

إذا وصل الصمت
تبخرت واختفيت،
كما يختفي الضباب
عند أول الأذان.

فإن مت
تحت وطأة الصمت المهان،
فمن يعين الكلمات؟
ومن يضع في يدها العنان؟

لن أنتظر كثيرا،
سأبني من بنات جنسي بستان.

يتعايش فيه البشر
مع الصبار والنخيل والأقحوان.

سأجعل من أوراق الكراريس جدرانا
تصد الريح والحرمان،
ومن المحافظ أرضيات،
ومن الأقلام أشجارا
تمد ظلالها
في كل مكان.

وسأجعل الحقول من حروف،
يكبر الناس فيها
متوهجين كالرمان.

وتنحني السنابل
كلما مرت يد المعرفة فوقها،
فيتعلم الأطفال
كيف يصنعون من السؤال
سلما نحو الإنسان.

فلا سيف في بستاني
إلا قلم،
ولا جيش
إلا أمة من التلاميذ الحالمين بالأمان.

وسأسقي بحبر مني
النبات والحيوان والإنسان.

هنا لا مكان للصمت،
في بستاني هذا
تزهر الكلمات
في كل أوان.

لن يبقى في مملكتي
عار ولا فقير ولا جوعان.

سأقدم لهم أطباقا
تفيض بالفواصل وبالبيان،
وأمنحهم مفاتيح المعاني
وأبواب البيان،

لعلهم يفهمون
ما عجز عن قوله الزمان.

 تاوريرت 2026
 

 

الاثنين، 8 يونيو 2026

البلدة التي تنتخب ظلَّها




البلدة التي تنتخب ظلَّها
(إلى غابرييل غارسيا ماركيز.. إلى ماكوندو، مرآة قريتي)
في قريتي الصغيرة،
لم يكن رئيسُ البلديةِ وحده مَن يحكم؛
كانت البلدةُ نفسها
تشاركُ في الحكمِ بصمتٍ قديم.
وكانت الحفرةُ عند مدخلها
أقدمَ من الذاكرة.
يقول الناسُ إنها ليست حفرة،
بل فمٌ مفتوحٌ على شيءٍ لا يُغلق.
كلَّما أُعلن عن مشروع طريق،
اتسعت قليلاً،
كأنها تسمعُ وتبتسم.
وكلَّما اقترب موسمُ الانتخابات،
تتنفسُ بعمق،
وتصبح أعمق من اسمِها.
أما رئيسُ البلدية،
فلم يكن يختفي تماماً؛
كان يظهرُ فقط حين تحتاج البلدةُ إلى وعد.
يقولون إنه لا يعيش داخل الزمن،
بل داخل تكرارِه.
لا يشيخ،
لأنَّ البلدةَ تعيدُ إنتاجَه.. حتَّى ولو أصابَهُ الوهَن.

في قريتي الصغيرة،
كانت الوعودُ مادةً تُخزَّن في الهواء.
تخرجُ من الخطابات،
وتبقى معلّقةً فوق البيوت،
حتى يذوب بعضُها في الضوء،
والبعضُ الآخرُ
يسقط في الحفرةِ.. فتلتهمه بهدوء.
وحين ضاقَ الشبابُ بالبطالةِ،
لم يكن ذلك حدثاً اجتماعياً فحسب؛
كان علامةً على أنَّ البلدةَ
ترشُّ الغبارَ على أجنحةِ أبنائِها،
لكي لا يطيروا.. خارجَ سياجِها.
صار الخطابُ واضحاً:
"فرصٌ قادمة.. مشاريعُ ستُولد.. وأبوابٌ ستُفتح حين تتهيأ الظروف".
لكن الأبواب كانت تعرف أنها لن تُفتح؛
كانت فقط تتظاهر بأنها أبواب.
أما البطالة،
فلم تكن حالةً اقتصادية،
كانت كائناً يعيش بين البيوت،
ينام على العتبات،
ويقتاتُ في المقاهي من الطاولات،
ويستيقظ في مواعيد الانتخابات.
وفي كل مرةٍ يُقال فيها "حلٌّ قريب"،
كان يضحك بصوتٍ لا يسمعه أحد.

وفي كل موسمٍ انتخابي،
كانت البلدةُ تدخل في نوبة تذكّر.
تخرجُ الخصوماتُ من الجدران،
وتطلُّ الضباعُ برؤوسِها القبيحةِ.. خارجةً من نومٍ طويل.
لكنها لم تكن تبحث عن فريسة،
كانت تبحث عن إنسان.
الأبُ ينسى ابنه لحظة التصويت،
والابنُ يمرُّ بجوار أبيه كأنهما خطّان متوازيان..
يفصلُ بينهما سلكٌ شائك.
الأسماء تبقى، ولكن أصحابها يتغيرون.
وتتحولُ موائدُ العشاءِ إلى طقوسٍ باردة;
الكلماتُ هنا لا تُقالُ لتبقى،
بل تُساقُ كالأسرى نحو الصناديق..
تصويتاً يقطعُ تذكرةَ اتجاهٍ واحدٍ،
إلى قاعِ الحفرة.
وفي مكانٍ ما،
كانت الحفرةُ تكبر؛
لا لأنها تُحفر، بل لأنها تتذكّر.
أما السلطةُ، فلم تكن في الأعلى،
كانت في كل مكانٍ لا يُرى فيه أحد.
وفي كل مرةٍ تتشاجر البلدة مع نفسها،
كانت تبتسم؛
لأنها لا تحتاج أن تفعل شيئاً،
يكفي أن تترك الناس
ينتخبون أنفسهم.. ضد أنفسهم.

وفي كل دورةٍ انتخابية،
لم تكن البلدةُ تختار أشخاصاً،
كانت تختار شكل نسيانِها،
وتعيد إنتاج نفسها،
كما تعيد الحفرةُ إنتاج عمقِها.
وحين تنتهي الانتخابات،
لا شيء يعود كما كان،
لأن لا شيء كان قد ذهب أصلاً؛
فقط التعب يتغير،
والصمت يصبح أثقل.
ويكتشفُ الأبُ أنه فقد ابنه
في مكانٍ لم يحدث فيه قتال.
ويكتشفُ الابنُ أنه فقد أباه
في لحظة تصويت.
ويكتشفانِ معاً..
أنَّهما فُقِدا.. يومَ قرارِ التفويت.
وتكتشفُ البلدةُ
أنها طوال الوقت..
كانت تنتخبُ الحفرة،
وتظنّ أنها تنتخب مستقبلها.
أما الحفرة،
فكانت في تلك الليلة أوسع من المعتاد،
كأنها سمعت النتيجة،
وكأنها قررت أن تبقى مفتوحةً..
إلى أجلٍ غير مسمى.
دبدو2026