الخميس، 24 سبتمبر 2026

حين يغادر اليسار المصنع إلى الجامعة: كيف تحولت النقابات إلى شركات خدمات؟

 

 

حين يغادر اليسار المصنع إلى الجامعة: كيف تحولت النقابات إلى شركات خدمات؟

يشير ما يمكن تسميته بـ«الانهزام التاريخي لليسار» إلى أكثر من مجرد تراجع انتخابي عابر. إنه، في جانب منه، تراجع في الصلة التي كانت تربط اليسار بقاعدته الاجتماعية الأصلية: العامل، والمصنع، والنقابة، والصراع حول الأجر والعمل والثروة.

لم يعد الأمر مجرد خسارة في صناديق الاقتراع، بل تحولا في طبيعة الخطاب نفسه، وفي الأشياء التي اختار اليسار أن يراها وأن يتحدث عنها.

من المصنع إلى الجامعة

كان المصنع ذات يوم مختبر اليسار الحقيقي.

هناك كانت الأسئلة بسيطة وقاسية: من يعمل؟ من يملك؟ من ينتج؟ من يأخذ النصيب الأكبر من الثروة؟ وكم يساوي يوم العامل؟

ثم حدث شيء ما.

غادر اليسار المصنع، ودخل الجامعة.

وبدل أن يبقى العامل موضوعه المركزي، ظهرت أمامه خرائط جديدة للهوية والثقافة واللغة والجندر والأقليات. لم تختف القضايا القديمة تماما، لكنها فقدت موقعها في مقدمة المشهد.

صار اليسار يفتش عن قضايا جديدة كما يفتش المنقب عن عروق جديدة في أرض قديمة: البيئة، النسوية، الأقليات العرقية، الأقليات الجنسية، السكان الأصليون، والسياسات الرمزية بمختلف أشكالها.

ليس معنى ذلك أن هذه القضايا بلا أهمية، ولا أن أصحابها لا يملكون حقوقا حقيقية. لكن السؤال الذي يستحق أن يطرح هو: متى تحولت هذه القضايا من امتداد للنضال الاجتماعي إلى بديل عنه؟

فحين يصبح الحديث عن الهوية أكثر حضورا من الحديث عن الأجر، وعن تمثيل الأقليات أكثر من الحديث عن تمثيل العامل، وعن اللغة أكثر من الحديث عن شروط العمل، يكون اليسار قد غيّر، من حيث يدري أو لا يدري، مركز ثقله.

لقد انتقل الصراع من المصنع إلى الجامعة، ومن الآلة إلى اللغة، ومن الأجر إلى الرمز.

وهنا بدأت المسافة تكبر بين المناضل والعامل.

النقابة التي دخلت المكتب ولم تخرج منه

وفي النقابات حدث تحول مواز.

كانت النقابة في أصلها أداة لتنظيم القوة الجماعية للعمال. كانت تستمد وجودها من قدرتها على الضغط، والتفاوض من موقع القوة، والإضراب حين يفشل التفاوض.

لكن النقابة يمكن أن تتحول، مع الزمن، إلى شيء آخر.

تبدأ بمقر صغير، ثم يصبح للمقر موظفون، وللموظفين لجان، وللجان مكاتب، وللمكاتب ميزانيات، وللميزانيات حراسها.

وبعد سنوات، قد يصبح الحفاظ على المؤسسة أهم من الحفاظ على الغضب الذي أنشأها.

وهنا تبدأ النقابة في فقدان أسنانها ببطء.

لا أحد يعلن موتها.

تبقى اللافتة معلقة، والبيانات تصدر، والاجتماعات تعقد، والخطب تلقى.

لكن شيئا ما يكون قد تغير.

تصبح النقابة وسيطا أكثر منها قوة اجتماعية، ومؤسسة لإدارة النزاع أكثر منها أداة لتغييره.

وفي هذا السياق، يظهر ما يمكن تسميته بـ«المحاورين الصالحين»: قيادات نقابية تعرف حدود اللعبة، وتعرف متى تتكلم ومتى تصمت، ومتى ترفع السقف ومتى تخفضه، ومتى تدخل قاعة الحوار ومتى تخرج منها.

قد تختلف هذه القيادات في الشعارات، وفي الألوان، وفي أسماء النقابات، لكنها تتشابه كثيرا في الوظيفة.

تدور الكراسي.

يتغير الجالسون.

وتبقى الطاولة في مكانها.

أما العامل، فيبقى خارج القاعة، يسمع أحيانا عن الاتفاق الذي جرى باسمه.

الحوار الاجتماعي أم إدارة الصمت؟

هكذا يتحول الحوار الاجتماعي، شيئا فشيئا، إلى طقس بيروقراطي.

تجلس الإدارة إلى الطاولة.

وتجلس النقابات في الجهة المقابلة.

تُفتح الملفات.

تُغلق الملفات.

تُحرر المحاضر.

تُعلن النتائج.

ثم يعود الجميع إلى مكاتبهم.

وفي الخارج يبقى السؤال القديم:

ماذا تغير؟

المشكلة ليست في الحوار ذاته؛ فالحوار جزء طبيعي من أي علاقة مهنية ناضجة. المشكلة تبدأ عندما يصبح الحوار بديلا عن القوة الاجتماعية، وعندما تتحول النقابة من ممثل لمصالح القاعدة إلى وسيط يطلب من القاعدة أن تتكيف مع ما تم الاتفاق عليه.

عندها لا يعود السؤال: ماذا انتزع العمال؟

بل: ماذا استطاعت المؤسسة النقابية أن تحافظ عليه؟

وهذا فرق كبير.

حين يفقد العامل لغته

الأخطر من ذلك أن القواعد نفسها بدأت تفقد اللغة التي كانت تعبر بها عن مصالحها.

اختفت تدريجيا كلمات مثل الاستغلال، والربح، والريع، والملكية، والصراع الاجتماعي، وحل محلها قاموس تقني أكثر نعومة: الحكامة، الشراكة، المقاربة، التوافق، التدبير، وإعادة الهيكلة.

لم يعد العامل يقول: «هذا حقي».

بل صار يسمع كثيرا: «سنبحث الأمر مع الشركاء الاجتماعيين».

وبين الجملتين ضاع شيء مهم.

ضاع الغضب.

وضاعت معه أحيانا القدرة على التنظيم.

ولذلك ليس غريبا أن تظهر الاحتجاجات الاجتماعية خارج القنوات النقابية التقليدية. حين لا يجد العامل صوته داخل المؤسسة التي يفترض أن تتحدث باسمه، فإنه يبحث عن صوت آخر.

في الشارع.

في التنسيقيات.

في الحركات الفئوية.

في المبادرات المستقلة.

وأحيانا بلا قيادة أصلا.

النقابة في زمن المعارك الجديدة

وقد يكون المستقبل أكثر غرابة.

فإذا استمر اليسار في الابتعاد عن المسألة الاجتماعية، وإذا استمرت النقابات في التحول إلى مؤسسات للوساطة، فقد نجد أنفسنا أمام نقابة تعرف الكثير عن البيئة والهوية واللغة والرموز، لكنها لا تعرف بما يكفي عن الأجر الذي يدخل به العامل آخر الشهر إلى بيته.

مرة أخرى، ليست المشكلة في البيئة، ولا في حقوق النساء، ولا في حقوق الأقليات، ولا في أي قضية إنسانية أخرى.

المشكلة تبدأ حين يصبح الدفاع عن هذه القضايا طريقة للهروب من الأسئلة التي كانت في صميم العمل النقابي:

من يملك؟

من يقرر؟

من ينتج؟

من يحصل على الثروة؟

ومن يملك القدرة على التفاوض؟

لأن النقابة التي تدير الرموز أكثر مما تدافع عن المصالح، قد تجد نفسها بعد سنوات جزءا من المنظومة التي كان وجودها التاريخي قائما على مراقبتها ومقاومتها.

وفي النهاية...

ربما لم يختف اليسار.

ربما غيّر عنوانه فقط.

ترك المصنع، وانتقل إلى الجامعة.

وترك الآلة، واشتغل على اللغة.

وترك العامل، وبدأ يبحث عن قضايا جديدة.

أما النقابة، فقد تركت الشارع ودخلت المكاتب.

وهناك، بين الملفات والمحاضر وطاولات الحوار، حدث شيء غريب:

صار الجميع يتحدث باسم العامل،
إلا العامل نفسه.

 

السبت، 12 سبتمبر 2026

الوعود التي تعرف الطريق

الوعود التي تعرف الطريق
إهداء
إلى المناضل بيبيش..
شجرة الزيتون العتيقة
التي صمدت طويلاً،
وماتت واقفة.

في قريتي المصلوبة بين الجبال،
يأتي موسم الوعود كالجراد.. كالخريف.
تطلُّ السيارات من خلف المنعطفات،
تصعد الطريق الوعر،
كأنها تصعد أنفاسنا المتعبة.
يهبط رجالٌ بربطات عنقٍ لامعة،
وأحذيةٍ لم تذق يوماً طعم الغبار.
يصافحون الناس،
ويوزعون الوعود كخبز المواسم.
في الليالي الأخيرة..
صار الدقيقُ أكثر بياضاً،
والمصافحات أطول من العادة.
يتكاثرون في الزوايا،
ويتكلمون كثيراً عن الغد.

وفي موسم الصناديق..
تخرج الخصومات القديمة من تحت الرماد.
بيتٌ يعرف بيتاً منذ أول ضغينة،
وعائلةٌ توارث اسمَها كما توارث جرحَها.
يأتي المرشح.. لا يسأل:
"ماذا تريد القرية؟"
يسأل فقط:
"مَن معك؟ ومَن معه؟"
يجلس مع الكبار،
فتكبر الوعود على الموائد..
بينما يحمل الفقراء أكياسهم إلى بيوت الطين.

في المساء..
تعلو الرايات، ويعلو صوت القبيلة.
كانت الأنسابُ أعلى صوتاً من المدرسة والطريق،
وكانت الرايةُ أثقل من الدم والشقيق.
يعرفون الحكاية كلها،
لكنهم يبتسمون والموكب يمر.
في الليل..
تعود الخصومات إلى مخادعها،
تنام هناك.. للموسم القادم.
ويغادر المرشح مع آخر سيارة،
مخلفاً وراءه بعض الوعود، وبعض الغبار،
وعداوةً جديدة للموسم القادم.

في الساحة العتيقة.. عند "عين إسبيلية"،
يجلس شيخٌ أحدب يشبه زيتونة هرمة.
لا يصفق.. لا يعترض..
يهز رأسه فقط،
كأنه يعرف كيف تنتهي الحكاية.
يا "دبدو"..
كم مرّ من هنا رجالٌ يحملون خرائط الخلاص؟
قالوا: "غداً تصل المياه، غداً تُعبّد الطرق،
وغداً تفتح المدرسة أبوابها للشتاء".
ثم مضوا..
بقيت المدرسة باردة،
بقيت الطريق تغسلها السيول،
وبقي النبع يروي للحجارة حكاية الماء.

في البلدية العتيقة.. تنام الملفات الصفراء.
تصعد طلبات الناس السلالم ببطء،
ثم تختفي في الأدراج.. كأن الخشب يبتلع الأصوات.
ثم يأتي يوم الصندوق..
منذ الفجر، يصطف الناس أمام المدرسة القديمة،
كما يصطفون أمام بئر في عام قحط.
يدخلون فرادى، ويخرجون فرادى..
والجبال لا تنتخب أحداً.
في الليل..
تتراكم الأوراق فوق الطاولات،
وما إن ينتهي العدّ،
حتى يصير الرجل أطول من مئذنة القرية!

ثم يحلّ الصمت سريعاً..
تنطفئ الزينة، وترحل السيارات،
ويعود الغبار إلى مكانه القديم.
ينطفئ الكلام..
ويبقى بائعو الخضر على الأرصفة،
يقاسمون النهار ما تبقى من ضوء الشمس.
في المقهى..
يتسمر العاطل فوق كرسيه،
يدخل سباته الشتوي حتى الربيع،
لتوقظه مجدداً.. رائحة الانتخابات.

تعود القرية إلى عزلتها.. تحت القمر،
بين المقابر، والشعاب، وبساتين الزيتون،
كأنها وريثة حزنٍ سحيق.
تتناقله البيوت جيلاً بعد جيل،
كمفاتيح الأبواب، وأشجار الزيتون،
وندبةٍ قديمة في خاصرة البلدة..
خلفها رجالٌ رسموا خطوطاً على الورق،
فاستيقظ الأخ في جهة، وأخوه في جهة أخرى..
وبقي الوادي يحفظ الاسم الواحد لضفتين.
كانت الجبال ترى كل شيء:
أكياس الدقيق، الوعود، الرايات، والخصومات..
ثم تعود إلى صمتها،
لأنها تعرف أن الحجر لا ينتخب أحداً.

في قريتي.. لا تموت الوعود الكاذبة،
إنها تعرف الطريق جيداً.
تعود كل خريف بوجوه جديدة، وربطات عنق جديدة.
أما الخيبة.. فتبقى هنا،
جالسةً عند "عين إسبيلية"..
إلى جوار الشيخ الأحدب،
تحت الشجرة المتحجرة التي تحفظ أسماء الموتى..
أكثر مما تعرف أسماء الأحياء.
وتنتظر.. موسماً آخر.
 

 

 

الخميس، 10 سبتمبر 2026

الوعود التي تعرف الطريق

 

الوعود التي تعرف الطريق

إهداء

إلى المناضل بيبيش
شجرة الزيتون العتيقة
التي صمدت طويلا
وماتت واقفة


في قريتي
بين الجبال،

يأتي موسم الوعود
كما يأتي الجراد،
وكما يأتي الخريف.

تظهر السيارات
من وراء المنعطفات،
وتصعد الطريق
كأنها تصعد أنفاسنا المتعبة.

يهبط منها رجال
بربطات عنق لامعة،
وأحذية
لا تعرف الغبار.

يصافحون الناس،
ويوزعون الوعود
كما يوزع الخبز
في المواسم.

وفي الليالي الأخيرة

صار الدقيق
أكثر بياضا،

وصارت المصافحات
أطول من العادة.

يتكاثرون في الزوايا،
ثم يتكلمون كثيرا
عن الغد.

وفي موسم الصناديق

تخرج الخصومات القديمة
من تحت الرماد.

بيت يعرف بيتا
منذ أول خصومة،
وعائلة تحمل اسمها
كما تحمل خصومتها.

يأتي المرشح
ولا يسأل:

ماذا تريد القرية؟

يسأل:

من معك؟

ومن معك؟
ومن معه؟

ثم يجلس مع الكبار،
فتكبر الوعود
على موائدهم،

ويحمل الفقراء
أكياسهم
إلى البيوت.

وفي المساء

تعلو الرايات،
ويعلو معها
صوت القبيلة.

كانت الأنساب
أعلى صوتا
من المدرسة والطريق،

وكانت الراية
أثقل من العم والشقيق.

يعرفون الحكاية كلها،
لكنهم يبتسمون
حين يمر الموكب.

وفي الليل

تعود الخصومات
إلى بيوتها،
وتبقى هناك
للموسم القادم.

ويغادر المرشح
مع آخر سيارة،

ويترك خلفه
بعض الوعود،
وبعض الغبار،
وخصومة جديدة
للموسم القادم.

في الساحة العتيقة
عند عين إسبيلية،

يجلس شيخ أحدب
يشبه زيتونة هرمة.

لا يصفق.
لا يعترض.

يهز رأسه فقط،
كأنه يعرف
كيف تنتهي الحكاية.

يا دبدو،

كم مر من هنا
رجال حملوا خرائط الخلاص
وقالوا:

غدا تصل المياه،
وغدا تعبد الطرق،
وغدا تفتح المدرسة أبوابها
للشتاء القادم.

ثم مضوا.

بقيت المدرسة باردة،
وبقيت الطريق
تغسلها السيول،

وبقي النبع
يروي للحجارة
حكاية الماء.

وفي البلدية العتيقة
تنام الملفات الصفراء.

تصعد طلبات الناس
السلالم ببطء،
ثم تختفي في الأدراج،

كأن الخشب
يبتلع الأصوات.

ثم يأتي يوم الصندوق.

منذ الفجر

يصطف الناس
أمام المدرسة القديمة،

كما يصطفون
أمام بئر
في عام قحط.

يدخلون واحدا واحدا،
ويخرجون واحدا واحدا،

بينما الجبال
لا تنتخب أحدا.

وفي الليل

تتراكم الأوراق
فوق الطاولات،

وما إن ينتهي العد

حتى يصير الرجل
أطول من مئذنة القرية.

ثم يأتي الليل
سريعا.

تنطفئ الزينة،
وترحل السيارات،
ويعود الغبار
إلى مكانه القديم.

ينطفئ الكلام،

ويبقى بائعو الخضر
على الأرصفة،
يقاسمون النهار
ما تبقى من الشمس.

وفي المقهى

يتحجر العاطل
فوق كرسيه،

يدخل سباته الشتوي
حتى الربيع،

ثم توقظه
رائحة الانتخابات.

وتعود القرية
إلى وحدتها،

تحت القمر،
بين المقابر والشعاب
وبساتين الزيتون،

كأنها
وريثة حزن قديم.

تتناقله البيوت
من جيل إلى جيل،

كما تتناقل
مفاتيح الأبواب،
وأشجار الزيتون،

وندبة قديمة
في خاصرة البلدة.

خلفها رجال
رسموا خطوطا على الورق.

فاستيقظ الأخ
في جهة،
واستيقظ أخوه
في جهة أخرى.

وبقي الوادي
يحفظ الاسم الواحد
لضفتين.

وكانت الجبال
ترى كل شيء:

أكياس الدقيق،
والوعود،
والرايات،
والخصومات.

ثم تعود إلى صمتها،

لأنها تعرف
أن الحجر
لا ينتخب أحدا.

ففي قريتي

لا تموت الوعود الكاذبة.

إنها تعرف الطريق.

تعود كل خريف،

بوجوه جديدة،
وربطات عنق جديدة،
وأسماء جديدة.

أما الخيبة
فتبقى هنا،

جالسة
عند عين إسبيلية،

إلى جوار الشيخ الأحدب،

تحت الشجرة المتحجرة
التي تعرف أسماء الموتى
أكثر مما تعرف أسماء الأحياء.

وتنتظر

موسما آخر.

الجمعة، 21 أغسطس 2026

شرفة على الرماد

 

شرفة على الرماد

على شرفة نادي الصنوبر
كان الرئيس
يشرب الليل
في كأس الويسكي.

ويشعل سيكاره
من ألسنة العاصمة،
وينفث دخانا
إلى دخانها.

في الأسفل...
كانت المدينة
تحت رحمة النار.

لم يحتج
قيثارة نيرون؛
فالمدينة كلها
كانت تعزف له.

 

الكولونيل الذي نسي الحرب

 

الكولونيل الذي نسي الحرب

 

نشيد القصر

 

بعد أربعين عاما من موته،

عاد الكولونيل بومدين
إلى قصر المرادية.

لم يكن في استقباله
جنرال.

ولا وزير.

ولا فرقة شرف.

كان في استقباله
القصر.

نظر إليه الباب
طويلا،

ثم تراجع
خطوة إلى الوراء،

كأنه
لم يتعرف
إلى صاحبه القديم.

دخل.

فأطفأت الثريات
أنوارها.

وأدارت الساعات
عقاربها
إلى الخلف.

وانكمشت المرايا
خشية
أن تعكس وجها
خرج من التاريخ
دون موعد.

في آخر الرواق،

كانت بقرة
تمضغ
مرسوما جمهوريا.

رفعت رأسها،

ونظرت إليه،

ثم عادت
إلى المضغ،

كما لو أن الرؤساء
يأتون ويذهبون،

بينما الورق
هو العشب الوحيد
الذي لا ينقطع.

نشيد الأبقار

في المرادية...

لم تكن الأبقار
تعرف البروتوكول.

كانت تدخل
قاعة الاجتماعات
قبل الوزراء،

وتغادرها
بعد البلاغ الأخير.

كانت تمضغ
المراسيم الجمهورية
ببطء
لا تعرفه
إلا الكائنات
التي لا تخاف التاريخ.

كل مرسوم
كانت تبتلعه،

ينسى
أنه كان قانونا.

وكل خطاب
كانت تجتره،

يخرج
بلا صوت.

وحين مر
الكولونيل بومدين
من أمامها،

رفعت أكبرها
رأسها
ببطء.

حدقت فيه
كما تحدق أم
في ابن
غاب طويلا.

ثم أطرقت،

وعادت
إلى مضغ
آخر جمهورية

.

نشيد الملف الأصفر

 

في آخر الممر،

وجد الكولونيل
خزانة
لم يجرؤ الغبار
على مغادرتها.

كانت مليئة
بملفات صفراء.

فتح أولها.

طار منه
دخان بيان قديم.

فتح الثاني.

خرجت منه
أقدام جنود
ما زالت
تسير
في حرب
انتهت منذ زمن.

فتح الثالث.

فهربت
خريطة الجزائر،

وراحت
تركض
في أروقة المرادية،

كأنها
تبحث
عن حدودها الأولى.

ظل الملف الأخير
وحيدا.

كتب عليه:

"ثورة التحرير."

تردد الكولونيل.

ثم فتحه.

فلم يجد
رصاصة.

ولا علما.

ولا شهيدا.

وجد
مرآة.

نظر فيها.

فلم ير
وجهه.

رأى
ملفا أصفر
ينظر إليه

.

كتاب المرادية

 

في المكتبة
التي لا يدخلها
أحد،

كان هناك
كتاب
أثخن
من جميع الدساتير.

لم يكن
له عنوان.

وكانت صفحاته
تزداد
كل ليلة.

فتحَه
سيدي الرئيس.

فلم يجد
حروفا.

وجد
طوابير.

وحافلات.

وأبوابا
موصدة.

وحقائب
تنتظر
أصحابها.

قلب الصفحة.

فخرجت منها
ريح باردة.

وقلب الثانية.

فسقطت
مفاتيح صدئة.

وقلب الثالثة.

فلم يجد
إلا أسماء...

أسماء...

أسماء...

كلما حاول
أن يقرأ اسما،

اختفى.

وكلما أغلق
الكتاب،

ازداد سمكا.

وفي الصفحة الأخيرة،

وجد رقما
كبيرا
لا يريد
أن يتذكره:

ثلاثمائة وخمسون ألفا.

ثم رأى
تحت الرقم
أسماء صغيرة،

وأطفالا،

وأمهات،

ومفاتيح
لم تجد أبوابها.

أغلق الكتاب.

لكنه ظل
مفتوحا
في ذاكرته

.

نشيد الأسماء

 

في الصفحة الأخيرة
من كتاب المرادية،

لم يجد الكولونيل
تاريخا.

وجد أسماء.

أسماء كثيرة
مكتوبة
بخط صغير،

كأن أحدا
كان يخشى
أن يراها.

اقترب.

قرأ اسما.

فانطفأت نافذة
في القصر.

قرأ الثاني.

أغلقت بابا
في مدينة بعيدة.

قرأ الثالث.

سمع حافلة
تدور وحدها
في الليل.

تراجع.

كان الكتاب
قد امتلأ
بالأسماء.

كلما حاول
أن يمحو اسما،

ظهر مكانه
اسم آخر.

قال الحارس:

لا تتعب نفسك
يا سيدي الرئيس.

هذه ليست
أسماء أشخاص.

هذه الأشياء
التي نسيتها
القرارات.

نظر إليه
الكولونيل.

للمرة الأولى
لم يعرف
ماذا يقول.

وفي آخر الصفحة،

وجد اسمه.

لم يكن
مكتوبا بالحبر.

كان مكتوبا
بالغبار.

نفخ عليه.

فاختفى.

ثم عاد
في مكان آخر:

الكولونيل.

وتحته
سطر صغير:

لا يتذكر
لماذا بدأت الحرب.

نشيد الخرائط

في الصباح التالي،

وجد الكولونيل
كل خرائط القصر
ممدودة
فوق الأرض.

لم تكن
كما تركها.

الحدود
كانت تتحرك.

خط أسود
زحف نحو الجبال،

وخط آخر
تراجع عن البحر،

وخطوط صغيرة
كانت تركض
بين القرى
كأنها تبحث
عن أسماء ضائعة.

انحنى الكولونيل.

وضع إصبعه
على الحدود.

فارتجفت.

رفع إصبعه
فارتجفت
يده.

كان يعرف
أن الحدود
لا تخاف الرجال،

لكنها تخاف
أن يتذكرها أحد.

أحضر المسطرة.

أحضر القلم.

حاول أن يعيد
كل شيء
إلى مكانه.

لكن الخريطة
رفضت.

كلما رسم خطا،

ظهر وراءه
باب.

وكلما محا بابا،

ظهرت حافلة.

وكلما أغلق حافلة،

خرج منها
اسم.

جلس الكولونيل
على الأرض.

كان القصر
فوقه
ممتلئا
بالخرائط.

والخرائط
كانت ممتلئة
بالغائبين.

وفي منتصف النهار،

اقتربت منه
خريطة صغيرة.

لم تكن
لخط حدود
ولا لجيش.

كانت خريطة بيت.

فيها نافذة
وشجرة
وباب.

قرأ اسم
صاحب البيت.

ثم محا الاسم
بيده.

فبقي البيت.

محا البيت.

فبقي الباب.

محا الباب.

فبقي المفتاح.

عندها
فهم الكولونيل
لأول مرة:

أن الحدود
يمكن أن تتغير،

والخرائط
يمكن أن تحرق،

والبيوت
يمكن أن تهدم،

لكن المفتاح
لا ينسى
الباب
الذي كان له

.

نشيد الحافلات

 

في تلك الليلة،

سمع الحراس
صوت محركات
في الساحة.

خرجوا.

لم تكن هناك
حافلة واحدة.

لكن الصوت
كان يقترب.

ثم ظهرت الأولى.

حافلة قديمة،
مغطاة بالغبار،

تمشي
بلا سائق.

خلفها ثانية.

ثم ثالثة.

حتى امتلأت الساحة
بالحافلات.

كانت فارغة.

لا رجال.

لا نساء.

لا أطفال.

فقط حقائب
مغلقة،

ومعاطف
معلقة على المقاعد،

ومفاتيح
في الجيوب.

اقترب الكولونيل.

فتح باب إحداها.

فسمع صوت طفل:

هل وصلنا؟

تجمد.

لم يكن
في الحافلة أحد.

قال الصوت ثانية:

هل وصلنا؟

أغلق الباب.

فتح حافلة أخرى.

امرأة
كانت تقول:

لا تنس المفتاح.

وفي الثالثة:

أين بيتنا؟

وفي الرابعة:

متى نعود؟

أغلق الكولونيل
الأبواب واحدا واحدا.

لكن الأصوات
بقيت في الخارج.

عند الفجر،

كانت الحافلات
قد غادرت.

وتركت في الساحة
آثار عجلات
دائرية.

اقترب منها الحارس.

اكتشف أنها
لم تكن آثار عجلات.

كانت أسماء.

ومنذ ذلك اليوم،

كلما حاولت المرادية
أن تنام،

كانت الحافلات
تعود.

فارغة.

هادئة.

وتتوقف
أمام القصر.

كأنها
لم تجد بعد
المكان
الذي أرسلت إليه

.

نشيد المرآة

 

في آخر القصر،

كانت هناك
مرآة طويلة.

لم يعرف الكولونيل
من وضعها.

قيل إن الأتراك جلبوها

والفرنسيون نصبوها.

اقترب منها.

فلم ير
وجهه.

رأى جنديا
شابا
يحمل بندقية.

رمش.

اختفى الجندي.

ظهرت امرأة
تحمل حقيبة.

ثم رجل
يمسك بيد طفل.

ثم شيخ
ينظر خلفه
إلى باب
أغلق منذ زمن.

مد الكولونيل
يده إلى الزجاج.

فابتعدت الوجوه.

قال:

أنا الكولونيل.

لكن المرآة
لم تجبه.

قال:

أنا الرئيس.

فارتجف الزجاج.

اقترب أكثر.

هذه المرة
رأى قصر المرادية.

ثم رأى
مكتبه القديم.

ثم رأى
كرسيه.

ثم رأى
الكرسي فارغا.

وعلى الكرسي
كان ملف أصفر.

فتح الملف
داخل المرآة.

كانت الصفحة الأولى
تحمل اسمه.

الصفحة الثانية
تحمل اسمه.

الصفحة الثالثة
تحمل اسمه.

كل الصفحات
تحمل اسمه.

صرخ:

كفى!

فسقط الاسم
من الورق.

وتناثر
على الأرض
مثل رماد.

عندها
ظهرت في المرآة
صورة واحدة.

لم تكن
للكولونيل.

كانت
لباب مفتوح.

وخلف الباب
طريق طويل.

وفي آخر الطريق
كانت مدينة
لا تحمل
أي صورة
لرئيس.

بقي الكولونيل
واقفًا.

وحين التفت
إلى الحارس
ليسأله
عن المرآة،

لم يجد الحارس.

لم يجد القصر.

لم يجد حتى
نفسه.

وجد المرآة
وحدها.

وفي أعلاها
كانت جملة صغيرة:

من ينس أسماء الناس،
يفقد اسمه

.

نشيد الظل

 

خرج الكولونيل
من قاعة المرايا.

كان الليل
قد نزل
على المرادية،

والأبقار
تنام في الممرات،

والملفات
تتنفس
داخل الخزائن.

مشى الكولونيل
نحو الباب.

لكن ظله
لم يتبعه.

التفت.

كان الظل
واقفًا
في آخر الرواق.

قال له:

تعال.

لم يتحرك.

قال:

أنا رئيسك.

تحرك الظل
خطوة واحدة،

ثم توقف.

لأول مرة
فهم الكولونيل
أن الظل
لم يكن تابعا له.

كان ينتظره
منذ زمن.

تقدم نحوه.

فإذا بالظل
أطول منه.

أطول من القصر.

أطول من الحدود.

وأطول من الحرب
التي نسي
لماذا خاضها.

رأى فيه
وجوه الجنود،

والنساء
اللواتي حملن
حقائبهن
إلى الحافلات،

والأطفال
الذين ظلوا يسألون:

هل وصلنا؟

ورأى المفاتيح
تبحث عن أبوابها،

والخرائط
تبحث عن أصحابها،

والأسماء
تبحث عن ذاكرة.

اقترب الظل
من الكولونيل.

ولم يقل شيئا.

فقط مد يده.

فأخذ منه
النياشين.

ثم أخذ منه
القبعة.

ثم أخذ منه
الاسم.

بقي الكولونيل
واقفًا
بلا رتبة،

بلا صورة،

بلا اسم.

وفي تلك اللحظة
فتحت الأبقار
أعينها.

رفعت رؤوسها
نحو الرواق.

وكانت تعرف
ما لم يعرفه
الكولونيل:

أن الحرب
لا تنتهي
حين يسكت المدفع،

بل حين يتوقف
الناس عن توريثها
لأبنائهم

.

الخاتمة

 

عند الفجر

لم يجد الحارس
الكولونيل.

وجد القبعة
فوق الكرسي.

والنياشين
على الأرض.

وورقة
بيضاء
فوق المكتب.

لم يكن عليها
اسم.

ولا رتبة.

ولا تاريخ.

فقط نافذة
مرسومة
في منتصف الصفحة.

فتح الحارس
النافذة.

دخل منها
الهواء.

وتطايرت الأوراق
في أرجاء القصر.

خرجت الخرائط
من الخزائن.

خرجت الأسماء
من الملفات.

خرجت المفاتيح
تبحث عن أبوابها.

وعادت الحافلات
إلى الساحة.

لكنها هذه المرة
لم تكن فارغة.

كان فيها
الذين انتظروا
طويلا
كي يعودوا.

وفي آخر الرواق،

كانت المرآة
ما تزال معلقة.

اقترب منها الحارس.

لم ير الكولونيل.

رأى مدينة
تفتح أبوابها
للشمس.

ثم سمع
صوت الأبقار
في الساحة.

التفت.

كانت قد خرجت
من القصر.

وللمرة الأولى
منذ أربعين عاما،

بقي القصر
وحيدا.

ومنذ ذلك الصباح،

كلما سأل أحد:

أين ذهب الكولونيل؟

كانت المرآة
تجيب:

كان هنا.

ثم تصمت.

كأن التاريخ
نفسه

لم يعد يريد
أن يتذكر
اسمه

صيف 2025