دوّار المصلى (دبدو)
مرثيةٌ للمكان حين يشيخ في ذاكرة أبنائه
في البدء
لم يكن هنا
شيءٌ
يسمى الوقت.
فالوقت
فكرةٌ
متأخرة،
صنعها
من يقيس
الأرض
بالموت.
كان هنا فقط
امتدادُ
أرضٍ
بين الوادي
والجبل.
امتدادٌ
يتنفس
على مهل،
كجسدٍ
أنهكه
الانتظار،
ولا يثبت
في جهة.
كانت الريح
تمر
فتترك
شكلها
في العشب.
وكان الماء
يعرف
الطريق
قبل أن
تولد الطرق.
وكان الجبل
يغيّر
لون ظله
كل مساء،
دون أن يشعر
أن أحدًا
يراقبه.
لم يكن
ثمّة
تاريخ.
فالأرض
كانت تكتفي
بالفصول.
ثم جاء الناس.
ولم يغيّروا
الأرض.
لكنهم
أعطوا
كل شيء
اسمًا.
قالوا:
هذا الوادي.
وهذا الجبل.
وهذه
زيتونة
فلان.
وقالوا:
هنا
وقف الجد
الأول.
وهنا
استراح
الحصان.
ومنذ ذلك اليوم
بدأت
الأشياء
تحمل
ذاكرةً
غير
ذاكرتها.
ولم تسقط البيوت.
ولم يجف الوادي.
ولم ينطفئ
ضوء الصباح.
حدث شيءٌ
أبطأ.
شيءٌ
لا يُرى.
بدأت الذاكرة
تتعب.
قالت امرأة:
"كانت هنا
زيتونة."
وقال آخر:
"لا...
كان ظلها."
وقال شيخ:
"كانت الصفصافة
أقرب
إلى الوادي."
فابتسم رجل،
وهز رأسه:
"بل كان الوادي
أقرب إليها."
ضحكوا.
ثم صار
كل واحد
يضحك
أقل
من المرة
السابقة.
شيئًا
فشيئًا،
صار كل حديث
يبحث
عن شاهد.
وكل شاهد
يحتاج
إلى شاهدٍ
آخر.
حتى الأمس
لم يعد
متفقًا
عليه.
وأخذ الضوء
يسقط
على البيوت
بميلٍ
لم يكن
يعرفه.
وصارت الجدران
تتعلم
كيف تنسى.
أما الطريق
التي
دشنتها
خطى
الجدود،
فلم تعد
تمر
من المكان
نفسه.
أو...
لعل المكان
هو الذي
تحرك.
وصار الدوار
ينظر
إلى
العائدين،
كما ينظر
شيخٌ
إلى أبنائه
بعد عمرٍ
طويل.
يتعرف
إلى
ملامحهم.
ثم يتردد.
كأن الوجوه
تبدلت
أسرع
من الذاكرة.
وكان كل واحد
يحمل
ماضيه.
لا الماضي.
ويحمل
الطريق
كما
يتذكرها.
والشجرة
كما رآها.
والوادي
كما عبره.
ولا أحد
يستطيع
أن يبرهن
أن ذاكرته
أقرب
إلى
الحقيقة.
ثم...
لم يعد أحد
يصحح
ذاكرة أحد.
لا لأنهم
اتفقوا،
بل لأن الذين
كانوا يعرفون
رحلوا.
وبقيت الأرض
وحدها،
تتذكر
بطريقتها.
كل شتاء
كان الوادي
يجري
كما جرى
منذ البدء.
وكان الجبل
يرد عليه
بالصدى
نفسه.
أما الأسماء،
فكانت
تشيخ.
وفي الربيع
كانت الأعشاب
تخرج
من الشقوق
نفسها.
وكأن الأرض
لا تكترث
بما ينساه
البشر.
أما الدوار،
فلم يغادره
أحد.
لكن الذين
سكنوه
صار كل واحدٍ منهم
يحمله
في مكانٍ
آخر.
وصار للمصلى
عددٌ
من القرى،
بعدد
الذاكرات.
وكان كلما
ابتعدوا،
عاد الدوار
أكثر
اكتمالًا.
حتى صار
كل واحدٍ
منهم
يتذكر
مكانًا
لم يعد أحدٌ
يستطيع
أن يراه.
وحين رحل
آخر من كان
يعرف
الحكاية
كلها،
لم يحدث
شيء.
أشرقت الشمس.
وصعد
دخان
البلوط.
وجرى الوادي.
ومرت الريح
بين
البيوت،
كما كانت
تفعل
دائمًا.
ولم يبق
غير أرضٍ
بين الوادي
والجبل،
تتنفس
على مهل.
كأنها
لم تُسمَّ
يومًا.
وكأنها
ما تزال...
في البدء.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق