الأحد، 28 يونيو 2026

الأرض التي وصلت متأخرة إلى اسمها

 

 

 

 

الأرض التي وصلت متأخرة إلى اسمها

 

في البدء

لم يكن هنا شيءٌ يُسمّى الوقت.

فالوقتُ فكرةٌ متأخرة،

صنعها من يقيس الأرضَ بالموت.

كان هنا فقط

امتدادُ أرضٍ بين الوادي والجبل،

يتنفّس على مهل،

كجسدٍ أنهكه الانتظار،

لا يثبت في جهة،

ولا يعترف بالحدود.

ثم سُمِّي، بعد زمن:

دوّار المصلى.

هنا

الريحُ لا تمرُّ صدفة.

كأنها وُكِّلت بحراسة الذاكرة.

تعرف أسماء البيوت واحدًا واحدًا،

وتتوقف قليلًا

لتتأكد

أن أصحابها

ما زالوا يشبهون أنفسهم.

البيوت

مسقوفةٌ بالحطب،

ومبنيةٌ من حجارةٍ

شربت حرارةَ أيدٍ كثيرة،

ثم نسيت الوجوه،

واحتفظت

برائحة التعب.

في الصباح

يخرج الضوء أولًا،

مترددًا بين الجدران الطينية،

كأنه يتفقد البيوت

بعد غيابٍ طويل.

تخرج النساء،

يحملن الصباح

في جرار الماء،

ويعجنَّ النهار

قبل أن يولد.

ومن البيوت

تصعد رائحة الشعير والنار،

ودخانٌ خفيف

يتسلّق الهواء على مهل،

حتى تبدو الأسطح

كأنها تزهر

غيمًا صغيرًا.

يصعد الرعاة

نحو الجبل،

ثم يذوبون

في الأفق.

ويغادر الرجال

نحو عملٍ

يشبه الاحتمال.

وكلَّ مساء

يعود بعضهم،

لكن الطريق

لا تعيد

الرجلَ نفسه.

يعود بعضهم

وفي أيديهم

ما يكفي

لإشعال المساء.

ويعود بعضهم

بصمتٍ

أثقل من الخبز.

أما الباقون،

فتظل أسئلتهم

معلقةً على الطرقات،

مثل قمصانٍ

تنشرها الريح.

وفي الليل

يعود السؤال نفسه

إلى عتبته القديمة:

هل يأتي الغد...

أم أن الغد

وصل منذ زمن،

ونحن فقط

ما زلنا

نتأخر

عن أسمائنا؟

الأطفال

بين "الحرشة" و**"الزاوية"،**

يتقاتلون

على غيمةٍ من غبار.

ثم يتصالحون

بسرعة،

كأن العالم

لم يخترع بعد

طرقه الطويلة

في توريث العداوات.

يركضون

خلف دراجةٍ صدئة،

تتناوب عليها

الأقدام

والضحكات.

ويحاربون

ببنادق الدفلى،

ثم يقتسمون

برقوقًا

لم ينضج بعد.

وما إن يحلَّ المساء

حتى ينسى كلُّ جيشٍ

من كان عدوَّه.

ويضحكون

كما لو أن الضحكَ

خبزُ اليوم،

لا يجوز ادخاره.


وفي آخر الدوار

يجلس رجلٌ مسنٌّ كفيف،

وسط "الحفرة"،

في "الزاوية"،

كأنه آخرُ وتدٍ

أبقته الأرضُ

كي لا يرحل المكان.

لا يتحرك.

والزمن

هو الذي يدور حوله،

كعجلةٍ

بلا جهة.

وكان يقول

بصوتٍ

لا يحتاج إلى علو:

"كلُّ من مرَّ هنا...

لم يغادر تمامًا."


ومع السنوات

بدأت الوجوه تقل.

بابٌ

أُغلق خلف مسافر.

ونافذةٌ

بقيت مفتوحةً

تنتظر ظلَّه.

هرم الآباء

تحت صور الأبناء.

واتسعت المسافات

بين الاسم

وصاحبه.

وصار الدوار

يتسع للغياب

أكثر

مما يتسع لأهله.

كانت الساحات

تعرف ضجيج المواسم،

وتعرف الأعراس،

حين كانت الليالي

أطول من التعب.

ثم أخذت الأصوات

تنطفئ

واحدًا واحدًا.

حمل كلُّ واحدٍ

عمره،

ومضى

إلى جهةٍ أخرى

من العالم.

وبقيت الأزقة

تحفظ وقع أقدامٍ

لم تعد تمر .

 

ولم يبق للمصلى

موعدٌ بأبنائه

إلا في الجنائز.

هناك فقط

كانت الطرق

تستعيد أسماءها القديمة.

يعود الغائبون

من مدنهم البعيدة،

بوجوهٍ
كتبت عليها السنوات
ما عجزت
الكلماتُ عنه.

يتأمل بعضهم بعضًا

طويلًا،

كأنهم

يفتشون في الوجوه

عن الأطفال

الذين تركوهم

وراء أعمارهم.

يسألون عن الأحياء

أكثر

مما يسألون عن الميت.

وعن الذين غادروا،

ثم انقطعت أخبارهم،

كما تنقطع السواقي

في آخر الصيف.

يمضون خلف النعش،

في الطريق نفسها

التي كانوا

يركضون فيها حفاة.

وللحظةٍ قصيرة

يبدو الدوار

مكتملًا من جديد.

كأن أحدًا

لم يغادر.

وكأن الزمن

لم ينجح

إلا في تأجيل اللقاء.

لكن

ما إن يوارى الميتُ التراب،

حتى يتفرق الجميع.

تعود الأزقة

إلى صمتها.

ويعود الوادي

إلى جريانه القديم.

ويظل الدوار

يراقب الغبار

خلف المغادرين،

كما تراقب أمٌّ

أبناءها

وهم يصغرون

كلما ابتعدوا.

ومع كل جنازة

كانت الذاكرة

تفقد شاهدًا.

اختلف رجلان

حول اسم صاحب الحقل القديم.

قالت امرأة:

كانت هنا زيتونة.

وقال آخرون:

لم تكن هنا قط.

ضحك الجميع أول الأمر.

ثم صار كل حديث

يحتاج شاهدًا.

وكل شاهد

ينقصه شاهد.

حتى الأمس

لم يعد متفقًا عليه.

ومنذ ذلك الحين

بدأ الدوار

يتخلى

عن ملامحه...

ببطء.

لم يعد الضوء

يسقط على البيوت

بالطريقة نفسها.

صار يميل قليلًا،

كأنه يبحث

عن زاوية أخرى

للعالم.

الجدران

أخذت تتقشر

من جيرها،

كمن يتعلم

النسيان

بهدوء.

والطريق

التي دشنتها

خطى الجدود،

وكان يعرفها الجميع،

لم تعد تمر

من النقطة نفسها.

أو لعل النقطة

هي التي

غادرت مكانها.

شيئًا فشيئًا

صار الدوار

يراقب سكانه،

كما يراقب شيخ

أبناءه العائدين

من أعمار بعيدة.

ولم تعد البيوت وحدها

تتقدم في العمر.

كان الدوار نفسه

يشيخ.

ثم انكسرت الذاكرة.

لم يعد الماضي

شيئًا يُستعاد،

بل شيئًا

يُعاد اختراعه

كل مرة.

"أتذكر ذلك اليوم؟"

"أي يوم؟"

هكذا

بدأ الاختلاف.

ليس في التفاصيل،

بل في أصل الحكاية.

صار كل واحد

يحمل ماضيه

وحده.

بلا شهود.

حتى الأشياء

دخلت في الخلاف.

حتى كلمة

"هنا"

لم تعد

تعني المكان نفسه.

وصار التاريخ

يُكتب

بصمتٍ جديد.

وبعد ذلك

لم يعد الاسم

مستقرًا.

دوّار المصلى...

أم المصلى فقط...

أم اسم

ضاع في الطريق؟

صار النطق نفسه

يحتاج حذرًا،

كأن الاسم

لا يعرف

صاحبه.

حتى الحجارة

التي ظلت شاهدة

كل هذه السنين،

بدت

كأنها نسيت

ما كُتب عليها.

وفي النهاية

لم يعد السؤال:

ما اسم هذا المكان؟

بل:

هل كان له

اسمٌ

أصلًا؟

لم يغادر أحد.

لكن كل شيء

صار يعيش

في نسخةٍ أخرى

من نفسه.

أرضٌ

بين الوادي والجبل،

تتنفس

على مهل.

كأنها

لا تزال

في البدء.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق