الكولونيل الذي نسي الحرب
نشيد القصر
بعد أربعين عاما من موته،
عاد الكولونيل بومدين
إلى قصر المرادية.
لم يكن في استقباله
جنرال.
ولا وزير.
ولا فرقة شرف.
كان في استقباله
القصر.
نظر إليه الباب
طويلا،
ثم تراجع
خطوة إلى الوراء،
كأنه
لم يتعرف
إلى صاحبه القديم.
دخل.
فأطفأت الثريات
أنوارها.
وأدارت الساعات
عقاربها
إلى الخلف.
وانكمشت المرايا
خشية
أن تعكس وجها
خرج من التاريخ
دون موعد.
في آخر الرواق،
كانت بقرة
تمضغ
مرسوما جمهوريا.
رفعت رأسها،
ونظرت إليه،
ثم عادت
إلى المضغ،
كما لو أن الرؤساء
يأتون ويذهبون،
بينما الورق
هو العشب الوحيد
الذي لا ينقطع.
نشيد الأبقار
في المرادية...
لم تكن الأبقار
تعرف البروتوكول.
كانت تدخل
قاعة الاجتماعات
قبل الوزراء،
وتغادرها
بعد البلاغ الأخير.
كانت تمضغ
المراسيم الجمهورية
ببطء
لا تعرفه
إلا الكائنات
التي لا تخاف التاريخ.
كل مرسوم
كانت تبتلعه،
ينسى
أنه كان قانونا.
وكل خطاب
كانت تجتره،
يخرج
بلا صوت.
وحين مر
الكولونيل بومدين
من أمامها،
رفعت أكبرها
رأسها
ببطء.
حدقت فيه
كما تحدق أم
في ابن
غاب طويلا.
ثم أطرقت،
وعادت
إلى مضغ
آخر جمهورية.
نشيد الملف الأصفر
في آخر الممر،
وجد الكولونيل
خزانة
لم يجرؤ الغبار
على مغادرتها.
كانت مليئة
بملفات صفراء.
فتح أولها.
طار منه
دخان بيان قديم.
فتح الثاني.
خرجت منه
أقدام جنود
ما زالت
تسير
في حرب
انتهت منذ زمن.
فتح الثالث.
فهربت
خريطة الجزائر،
وراحت
تركض
في أروقة المرادية،
كأنها
تبحث
عن حدودها الأولى.
ظل الملف الأخير
وحيدا.
كتب عليه:
"ثورة التحرير."
تردد الكولونيل.
ثم فتحه.
فلم يجد
رصاصة.
ولا علما.
ولا شهيدا.
وجد
مرآة.
نظر فيها.
فلم ير
وجهه.
رأى
ملفا أصفر
ينظر إليه.
كتاب المرادية
في المكتبة
التي لا يدخلها
أحد،
كان هناك
كتاب
أثخن
من جميع الدساتير.
لم يكن
له عنوان.
وكانت صفحاته
تزداد
كل ليلة.
فتحَه
سيدي الرئيس.
فلم يجد
حروفا.
وجد
طوابير.
وحافلات.
وأبوابا
موصدة.
وحقائب
تنتظر
أصحابها.
قلب الصفحة.
فخرجت منها
ريح باردة.
وقلب الثانية.
فسقطت
مفاتيح صدئة.
وقلب الثالثة.
فلم يجد
إلا أسماء...
أسماء...
أسماء...
كلما حاول
أن يقرأ اسما،
اختفى.
وكلما أغلق
الكتاب،
ازداد سمكا.
وفي الصفحة الأخيرة،
وجد رقما
كبيرا
لا يريد
أن يتذكره:
ثلاثمائة وخمسون ألفا.
ثم رأى
تحت الرقم
أسماء صغيرة،
وأطفالا،
وأمهات،
ومفاتيح
لم تجد أبوابها.
أغلق الكتاب.
لكنه ظل
مفتوحا
في ذاكرته.
نشيد الأسماء
في الصفحة الأخيرة
من كتاب المرادية،
لم يجد الكولونيل
تاريخا.
وجد أسماء.
أسماء كثيرة
مكتوبة
بخط صغير،
كأن أحدا
كان يخشى
أن يراها.
اقترب.
قرأ اسما.
فانطفأت نافذة
في القصر.
قرأ الثاني.
أغلقت بابا
في مدينة بعيدة.
قرأ الثالث.
سمع حافلة
تدور وحدها
في الليل.
تراجع.
كان الكتاب
قد امتلأ
بالأسماء.
كلما حاول
أن يمحو اسما،
ظهر مكانه
اسم آخر.
قال الحارس:
لا تتعب نفسك
يا سيدي الرئيس.
هذه ليست
أسماء أشخاص.
هذه الأشياء
التي نسيتها
القرارات.
نظر إليه
الكولونيل.
للمرة الأولى
لم يعرف
ماذا يقول.
وفي آخر الصفحة،
وجد اسمه.
لم يكن
مكتوبا بالحبر.
كان مكتوبا
بالغبار.
نفخ عليه.
فاختفى.
ثم عاد
في مكان آخر:
الكولونيل.
وتحته
سطر صغير:
لا يتذكر
لماذا بدأت الحرب.
نشيد الخرائط
في الصباح التالي،
وجد الكولونيل
كل خرائط القصر
ممدودة
فوق الأرض.
لم تكن
كما تركها.
الحدود
كانت تتحرك.
خط أسود
زحف نحو الجبال،
وخط آخر
تراجع عن البحر،
وخطوط صغيرة
كانت تركض
بين القرى
كأنها تبحث
عن أسماء ضائعة.
انحنى الكولونيل.
وضع إصبعه
على الحدود.
فارتجفت.
رفع إصبعه
فارتجفت
يده.
كان يعرف
أن الحدود
لا تخاف الرجال،
لكنها تخاف
أن يتذكرها أحد.
أحضر المسطرة.
أحضر القلم.
حاول أن يعيد
كل شيء
إلى مكانه.
لكن الخريطة
رفضت.
كلما رسم خطا،
ظهر وراءه
باب.
وكلما محا بابا،
ظهرت حافلة.
وكلما أغلق حافلة،
خرج منها
اسم.
جلس الكولونيل
على الأرض.
كان القصر
فوقه
ممتلئا
بالخرائط.
والخرائط
كانت ممتلئة
بالغائبين.
وفي منتصف النهار،
اقتربت منه
خريطة صغيرة.
لم تكن
لخط حدود
ولا لجيش.
كانت خريطة بيت.
فيها نافذة
وشجرة
وباب.
قرأ اسم
صاحب البيت.
ثم محا الاسم
بيده.
فبقي البيت.
محا البيت.
فبقي الباب.
محا الباب.
فبقي المفتاح.
عندها
فهم الكولونيل
لأول مرة:
أن الحدود
يمكن أن تتغير،
والخرائط
يمكن أن تحرق،
والبيوت
يمكن أن تهدم،
لكن المفتاح
لا ينسى
الباب
الذي كان له.
نشيد الحافلات
في تلك الليلة،
سمع الحراس
صوت محركات
في الساحة.
خرجوا.
لم تكن هناك
حافلة واحدة.
لكن الصوت
كان يقترب.
ثم ظهرت الأولى.
حافلة قديمة،
مغطاة بالغبار،
تمشي
بلا سائق.
خلفها ثانية.
ثم ثالثة.
حتى امتلأت الساحة
بالحافلات.
كانت فارغة.
لا رجال.
لا نساء.
لا أطفال.
فقط حقائب
مغلقة،
ومعاطف
معلقة على المقاعد،
ومفاتيح
في الجيوب.
اقترب الكولونيل.
فتح باب إحداها.
فسمع صوت طفل:
هل وصلنا؟
تجمد.
لم يكن
في الحافلة أحد.
قال الصوت ثانية:
هل وصلنا؟
أغلق الباب.
فتح حافلة أخرى.
امرأة
كانت تقول:
لا تنس المفتاح.
وفي الثالثة:
أين بيتنا؟
وفي الرابعة:
متى نعود؟
أغلق الكولونيل
الأبواب واحدا واحدا.
لكن الأصوات
بقيت في الخارج.
عند الفجر،
كانت الحافلات
قد غادرت.
وتركت في الساحة
آثار عجلات
دائرية.
اقترب منها الحارس.
اكتشف أنها
لم تكن آثار عجلات.
كانت أسماء.
ومنذ ذلك اليوم،
كلما حاولت المرادية
أن تنام،
كانت الحافلات
تعود.
فارغة.
هادئة.
وتتوقف
أمام القصر.
كأنها
لم تجد بعد
المكان
الذي أرسلت إليه.
نشيد المرآة
في آخر القصر،
كانت هناك
مرآة طويلة.
لم يعرف الكولونيل
من وضعها.
قيل إن الأتراك جلبوها
والفرنسيون نصبوها.
اقترب منها.
فلم ير
وجهه.
رأى جنديا
شابا
يحمل بندقية.
رمش.
اختفى الجندي.
ظهرت امرأة
تحمل حقيبة.
ثم رجل
يمسك بيد طفل.
ثم شيخ
ينظر خلفه
إلى باب
أغلق منذ زمن.
مد الكولونيل
يده إلى الزجاج.
فابتعدت الوجوه.
قال:
أنا الكولونيل.
لكن المرآة
لم تجبه.
قال:
أنا الرئيس.
فارتجف الزجاج.
اقترب أكثر.
هذه المرة
رأى قصر المرادية.
ثم رأى
مكتبه القديم.
ثم رأى
كرسيه.
ثم رأى
الكرسي فارغا.
وعلى الكرسي
كان ملف أصفر.
فتح الملف
داخل المرآة.
كانت الصفحة الأولى
تحمل اسمه.
الصفحة الثانية
تحمل اسمه.
الصفحة الثالثة
تحمل اسمه.
كل الصفحات
تحمل اسمه.
صرخ:
كفى!
فسقط الاسم
من الورق.
وتناثر
على الأرض
مثل رماد.
عندها
ظهرت في المرآة
صورة واحدة.
لم تكن
للكولونيل.
كانت
لباب مفتوح.
وخلف الباب
طريق طويل.
وفي آخر الطريق
كانت مدينة
لا تحمل
أي صورة
لرئيس.
بقي الكولونيل
واقفًا.
وحين التفت
إلى الحارس
ليسأله
عن المرآة،
لم يجد الحارس.
لم يجد القصر.
لم يجد حتى
نفسه.
وجد المرآة
وحدها.
وفي أعلاها
كانت جملة صغيرة:
من ينس أسماء الناس،
يفقد اسمه.
نشيد الظل
خرج الكولونيل
من قاعة المرايا.
كان الليل
قد نزل
على المرادية،
والأبقار
تنام في الممرات،
والملفات
تتنفس
داخل الخزائن.
مشى الكولونيل
نحو الباب.
لكن ظله
لم يتبعه.
التفت.
كان الظل
واقفًا
في آخر الرواق.
قال له:
تعال.
لم يتحرك.
قال:
أنا رئيسك.
تحرك الظل
خطوة واحدة،
ثم توقف.
لأول مرة
فهم الكولونيل
أن الظل
لم يكن تابعا له.
كان ينتظره
منذ زمن.
تقدم نحوه.
فإذا بالظل
أطول منه.
أطول من القصر.
أطول من الحدود.
وأطول من الحرب
التي نسي
لماذا خاضها.
رأى فيه
وجوه الجنود،
والنساء
اللواتي حملن
حقائبهن
إلى الحافلات،
والأطفال
الذين ظلوا يسألون:
هل وصلنا؟
ورأى المفاتيح
تبحث عن أبوابها،
والخرائط
تبحث عن أصحابها،
والأسماء
تبحث عن ذاكرة.
اقترب الظل
من الكولونيل.
ولم يقل شيئا.
فقط مد يده.
فأخذ منه
النياشين.
ثم أخذ منه
القبعة.
ثم أخذ منه
الاسم.
بقي الكولونيل
واقفًا
بلا رتبة،
بلا صورة،
بلا اسم.
وفي تلك اللحظة
فتحت الأبقار
أعينها.
رفعت رؤوسها
نحو الرواق.
وكانت تعرف
ما لم يعرفه
الكولونيل:
أن الحرب
لا تنتهي
حين يسكت المدفع،
بل حين يتوقف
الناس عن توريثها
لأبنائهم.
الخاتمة
عند الفجر،
لم يجد الحارس
الكولونيل.
وجد القبعة
فوق الكرسي.
والنياشين
على الأرض.
وورقة
بيضاء
فوق المكتب.
لم يكن عليها
اسم.
ولا رتبة.
ولا تاريخ.
فقط نافذة
مرسومة
في منتصف الصفحة.
فتح الحارس
النافذة.
دخل منها
الهواء.
وتطايرت الأوراق
في أرجاء القصر.
خرجت الخرائط
من الخزائن.
خرجت الأسماء
من الملفات.
خرجت المفاتيح
تبحث عن أبوابها.
وعادت الحافلات
إلى الساحة.
لكنها هذه المرة
لم تكن فارغة.
كان فيها
الذين انتظروا
طويلا
كي يعودوا.
وفي آخر الرواق،
كانت المرآة
ما تزال معلقة.
اقترب منها الحارس.
لم ير الكولونيل.
رأى مدينة
تفتح أبوابها
للشمس.
ثم سمع
صوت الأبقار
في الساحة.
التفت.
كانت قد خرجت
من القصر.
وللمرة الأولى
منذ أربعين عاما،
بقي القصر
وحيدا.
ومنذ ذلك الصباح،
كلما سأل أحد:
أين ذهب الكولونيل؟
كانت المرآة
تجيب:
كان هنا.
ثم تصمت.
كأن التاريخ
نفسه
لم يعد يريد
أن يتذكر
اسمه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق