مساءٌ خريفيٌّ أصفرُ لخمياء "المنكوب"
أطيرُ،
كما لو أنّ لي أجنحةً
لهذا الخطِّ
المستقيمِ
الضائعِ بين بوعرفةَ
والرّيح.
هنا
في "المنكوب"،
لا شيء سوى الصحراءِ
تبدّلُ جلدَها كلَّ
مساء،
وسوى مدرسةٍ صغيرةٍ
منسيةٍ عند آخرِ
العالم.
أنا المعلّمُ
الذي يفتحُ بابَ القسمِ
على الفراغ،
ويكتبُ بالطباشيرِ البيضاء
فوقَ سبّورةٍ متعبة
كي لا يصدأَ الصمت.
لا هاتفَ هنا
غيرُ صفيرِ الرّيح،
ولا أخبارَ
غيرُ زوابعِ الرملِ
حينَ تعبرُ الساحةَ
مثلَ قطيعٍ هائج.
في الليل،
أسمعُ الوحدةَ
تمشي حولَ الغرفةِ
الطينيّة،
وتنقرُ زجاجَ
النافذةِ
كطائرٍ أعمى.
أحياناً
يمرُّ الرُّحَّلُ
بوجوهٍ أكلتها الشمس،
يتركونَ خلفهم
رائحةَ الحليبِ
والدخان،
ثمّ يذوبونَ
في الجهاتِ البعيدة
كأنّهم سراب.
أيُّ منفى هذا
الذي لا قطارَ يصلُه،
ولا رسائلَ،
ولا امرأةٌ
تعلّقُ ضحكتها
على حبلِ المساءِ؟
حتى الوقتُ هنا
يمشي بعكّازين،
والأيّامُ
متشابهةٌ
كحبّاتِ الرمل.
أريدُ أن أتيهَ
بأيِّ ثمن،
أن أهربَ من هذا
الأفقِ
الذي يضغطُ على صدري
كحجر.
لكنّ "المنكوب"
كانَ كلّما غادرتُهُ
يتركُ في داخلي
شيئاً من غبارهِ
الحزين،
وشيئاً من صمتِه
القاسي،
و كأنّ العزلةَ
يمكنُ أن تصبحَ وطناً.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق