الجمعة، 29 مايو 2026

 

انتخابات في دبدو

في موسمِ الانتخابات
تنفضُ دبدو
غبارَ الأزقة القديمة،
وتخرجُ الوجوهُ نفسها
من صورٍ أكلتها الشمس.

يعودُ الرجالُ
الذين لا يتذكرهم أحد
إلا عند اقتراب الصندوق،
يهبطون من السيارات اللامعة
كأنهم مبعوثو رحمة،
بينما أطفالُ الحي
ما زالوا يطاردون
كرةً من قماش.

في المقهى العتيق
قرب السوق،
يتحدثون كثيرًا
عن الوطن،
عن التنمية،
عن المستقبل،
ثم يتركون خلفهم
فناجين باردة
ووعودًا أكثر برودة.

العجائزُ
اللواتي يعرفن تاريخ الخديعة
ينظرن بصمت،
كأنهن يشاهدن
مسرحيةً قديمة
حفظن نهايتها منذ زمن.

وحدهُ الوادي
يفهم كل شيء.

رأى الرايات تتبدل،
والأحزاب تتقاتل،
والوجوه تُصبغ
كل خمس سنوات
بلونٍ جديد.

لكن الحجارةَ نفسها
بقيت في أماكنها،
والمدرسةُ المنسية
عند أطراف القرية
ما زالت ترتجف
من برد الشتاء
ووحدة المعلمين.

في الليل،
حين تنطفئ مكبرات الصوت،
وتعود السياراتُ
نحو المدن البعيدة،
تبقى دبدو
وحيدةً تحت الجبل،
تعدُّ خسائرها القديمة
على ضوءٍ خافت،
كأرملةٍ
تنتظرُ زوجًا
مات منذ زمن
ولم يخبرها أحد.

 

موسمُ الصناديقِ في دبدو

في دبدو،
حين يهبطُ خريفُ الشعاراتِ
من قممِ الجبالْ،
وتُفتحُ أبوابُ السياراتِ
مثلَ توابيتِ الاحتيالْ،
يخرجُ سماسرةُ الوقتِ
من عطرِ الفنادقِ البعيدة
نحوَ غبارِ الإهمالْ.

يأتونَ
بربطاتِ العنقِ اللامعةِ
والابتساماتِ المعلّبة،
يوزّعونَ على الفقراءِ
خبزًا يابسًا
وخُطبًا معطّرةً
بدخانِ الاستقلالْ.

في الساحةِ العتيقةِ
قربَ المقهى الحجريّ،
يقفُ شيخٌ أحدبُ
مثلَ زيتونةٍ هرمة،
يضحكُ من أكاذيبهم
حتى تسعلَ في صدرهِ
سبعونَ سنةً
من القهرِ والخذلانْ.

يا دبدو،
يا قريةً
تنامُ على كتفِ الريحِ
وتصحو
على نباحِ الدجّالينْ،
كم علّقوا فوقَ جدرانكِ
صورَ المنقذينَ
ثم سرقوا
ماءَ الينابيعِ
وملحَ الحقولِ
وحتى صهيلَ الخيلِ
في آخرِ الليلِ الحزينْ.

كلُّ مرشّحٍ
يأتيكَ
ممتطيًا قاموسَ القبيلةْ،
يلوّحُ للناسِ
كأنّهُ الفاتحُ المنتظرْ،
ثم يتركُ خلفهُ
مدرسةً باردةْ،
وطريقًا تأكلُها السيولْ،
ومعلّمًا
يشيخُ ببطءٍ
بين الطباشيرِ
وأنينِ الفصولْ.

في موسمِ الانتخاباتْ
تصبحُ القريةُ
مثلَ عروسٍ عجوزْ،
يكثرُ حولَ بابها
الخطّابونَ والطبولْ،
لكنّها
بعد انطفاءِ الزينةِ
تعودُ وحدها
إلى صمتِ الصخورْ،
تعدُّ خساراتها
تحتَ قمرٍ مكسورْ،
وتبكي
بصوتِ نايٍ بعيدْ
ضاعَ بينَ المقابرِ
وحقولِ الشعيرْ.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق