البلدة التي تنتخب ظلَّها
(إلى غابرييل غارسيا ماركيز.. إلى ماكوندو، مرآة قريتي)
في قريتي الصغيرة،
لم يكن رئيسُ البلديةِ وحده مَن يحكم؛
كانت البلدةُ نفسها
تشاركُ في الحكمِ بصمتٍ قديم.
لم يكن رئيسُ البلديةِ وحده مَن يحكم؛
كانت البلدةُ نفسها
تشاركُ في الحكمِ بصمتٍ قديم.
وكانت الحفرةُ عند مدخلها
أقدمَ من الذاكرة.
أقدمَ من الذاكرة.
يقول الناسُ إنها ليست حفرة،
بل فمٌ مفتوحٌ على شيءٍ لا يُغلق.
بل فمٌ مفتوحٌ على شيءٍ لا يُغلق.
كلَّما أُعلن عن مشروع طريق،
اتسعت قليلاً،
كأنها تسمعُ وتبتسم.
اتسعت قليلاً،
كأنها تسمعُ وتبتسم.
وكلَّما اقترب موسمُ الانتخابات،
تتنفسُ بعمق،
وتصبح أعمق من اسمِها.
تتنفسُ بعمق،
وتصبح أعمق من اسمِها.
أما رئيسُ البلدية،
فلم يكن يختفي تماماً؛
كان يظهرُ فقط حين تحتاج البلدةُ إلى وعد.
فلم يكن يختفي تماماً؛
كان يظهرُ فقط حين تحتاج البلدةُ إلى وعد.
يقولون إنه لا يعيش داخل الزمن،
بل داخل تكرارِه.
بل داخل تكرارِه.
لا يشيخ،
لأنَّ البلدةَ تعيدُ إنتاجَه.. حتَّى ولو أصابَهُ الوهَن.
لأنَّ البلدةَ تعيدُ إنتاجَه.. حتَّى ولو أصابَهُ الوهَن.
في قريتي الصغيرة،
كانت الوعودُ مادةً تُخزَّن في الهواء.
كانت الوعودُ مادةً تُخزَّن في الهواء.
تخرجُ من الخطابات،
وتبقى معلّقةً فوق البيوت،
حتى يذوب بعضُها في الضوء،
والبعضُ الآخرُ
يسقط في الحفرةِ.. فتلتهمه بهدوء.
وتبقى معلّقةً فوق البيوت،
حتى يذوب بعضُها في الضوء،
والبعضُ الآخرُ
يسقط في الحفرةِ.. فتلتهمه بهدوء.
وحين ضاقَ الشبابُ بالبطالةِ،
لم يكن ذلك حدثاً اجتماعياً فحسب؛
كان علامةً على أنَّ البلدةَ
ترشُّ الغبارَ على أجنحةِ أبنائِها،
لكي لا يطيروا.. خارجَ سياجِها.
لم يكن ذلك حدثاً اجتماعياً فحسب؛
كان علامةً على أنَّ البلدةَ
ترشُّ الغبارَ على أجنحةِ أبنائِها،
لكي لا يطيروا.. خارجَ سياجِها.
صار الخطابُ واضحاً:
"فرصٌ قادمة.. مشاريعُ ستُولد.. وأبوابٌ ستُفتح حين تتهيأ الظروف".
"فرصٌ قادمة.. مشاريعُ ستُولد.. وأبوابٌ ستُفتح حين تتهيأ الظروف".
لكن الأبواب كانت تعرف أنها لن تُفتح؛
كانت فقط تتظاهر بأنها أبواب.
كانت فقط تتظاهر بأنها أبواب.
أما البطالة،
فلم تكن حالةً اقتصادية،
كانت كائناً يعيش بين البيوت،
ينام على العتبات،
ويقتاتُ في المقاهي من الطاولات،
ويستيقظ في مواعيد الانتخابات.
فلم تكن حالةً اقتصادية،
كانت كائناً يعيش بين البيوت،
ينام على العتبات،
ويقتاتُ في المقاهي من الطاولات،
ويستيقظ في مواعيد الانتخابات.
وفي كل مرةٍ يُقال فيها "حلٌّ قريب"،
كان يضحك بصوتٍ لا يسمعه أحد.
كان يضحك بصوتٍ لا يسمعه أحد.
وفي كل موسمٍ انتخابي،
كانت البلدةُ تدخل في نوبة تذكّر.
كانت البلدةُ تدخل في نوبة تذكّر.
تخرجُ الخصوماتُ من الجدران،
وتطلُّ الضباعُ برؤوسِها القبيحةِ.. خارجةً من نومٍ طويل.
لكنها لم تكن تبحث عن فريسة،
كانت تبحث عن إنسان.
وتطلُّ الضباعُ برؤوسِها القبيحةِ.. خارجةً من نومٍ طويل.
لكنها لم تكن تبحث عن فريسة،
كانت تبحث عن إنسان.
الأبُ ينسى ابنه لحظة التصويت،
والابنُ يمرُّ بجوار أبيه كأنهما خطّان متوازيان..
يفصلُ بينهما سلكٌ شائك.
والابنُ يمرُّ بجوار أبيه كأنهما خطّان متوازيان..
يفصلُ بينهما سلكٌ شائك.
الأسماء تبقى، ولكن أصحابها يتغيرون.
وتتحولُ موائدُ العشاءِ إلى طقوسٍ باردة;
الكلماتُ هنا لا تُقالُ لتبقى،
بل تُساقُ كالأسرى نحو الصناديق..
تصويتاً يقطعُ تذكرةَ اتجاهٍ واحدٍ،
إلى قاعِ الحفرة.
وتتحولُ موائدُ العشاءِ إلى طقوسٍ باردة;
الكلماتُ هنا لا تُقالُ لتبقى،
بل تُساقُ كالأسرى نحو الصناديق..
تصويتاً يقطعُ تذكرةَ اتجاهٍ واحدٍ،
إلى قاعِ الحفرة.
وفي مكانٍ ما،
كانت الحفرةُ تكبر؛
لا لأنها تُحفر، بل لأنها تتذكّر.
كانت الحفرةُ تكبر؛
لا لأنها تُحفر، بل لأنها تتذكّر.
أما السلطةُ، فلم تكن في الأعلى،
كانت في كل مكانٍ لا يُرى فيه أحد.
كانت في كل مكانٍ لا يُرى فيه أحد.
وفي كل مرةٍ تتشاجر البلدة مع نفسها،
كانت تبتسم؛
لأنها لا تحتاج أن تفعل شيئاً،
يكفي أن تترك الناس
ينتخبون أنفسهم.. ضد أنفسهم.
كانت تبتسم؛
لأنها لا تحتاج أن تفعل شيئاً،
يكفي أن تترك الناس
ينتخبون أنفسهم.. ضد أنفسهم.
وفي كل دورةٍ انتخابية،
لم تكن البلدةُ تختار أشخاصاً،
كانت تختار شكل نسيانِها،
وتعيد إنتاج نفسها،
كما تعيد الحفرةُ إنتاج عمقِها.
لم تكن البلدةُ تختار أشخاصاً،
كانت تختار شكل نسيانِها،
وتعيد إنتاج نفسها،
كما تعيد الحفرةُ إنتاج عمقِها.
وحين تنتهي الانتخابات،
لا شيء يعود كما كان،
لأن لا شيء كان قد ذهب أصلاً؛
فقط التعب يتغير،
والصمت يصبح أثقل.
لا شيء يعود كما كان،
لأن لا شيء كان قد ذهب أصلاً؛
فقط التعب يتغير،
والصمت يصبح أثقل.
ويكتشفُ الأبُ أنه فقد ابنه
في مكانٍ لم يحدث فيه قتال.
في مكانٍ لم يحدث فيه قتال.
ويكتشفُ الابنُ أنه فقد أباه
في لحظة تصويت.
في لحظة تصويت.
ويكتشفانِ معاً..
أنَّهما فُقِدا.. يومَ قرارِ التفويت.
أنَّهما فُقِدا.. يومَ قرارِ التفويت.
وتكتشفُ البلدةُ
أنها طوال الوقت..
كانت تنتخبُ الحفرة،
وتظنّ أنها تنتخب مستقبلها.
أنها طوال الوقت..
كانت تنتخبُ الحفرة،
وتظنّ أنها تنتخب مستقبلها.
أما الحفرة،
فكانت في تلك الليلة أوسع من المعتاد،
كأنها سمعت النتيجة،
وكأنها قررت أن تبقى مفتوحةً..
إلى أجلٍ غير مسمى.
فكانت في تلك الليلة أوسع من المعتاد،
كأنها سمعت النتيجة،
وكأنها قررت أن تبقى مفتوحةً..
إلى أجلٍ غير مسمى.
دبدو2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق