الخميس، 25 يونيو 2026

دوّار المصلى (دبدو)

 


في البدء

لم يكن هنا شيء يسمى الوقت

فالوقت فكرة متأخرة

صنعها من يقيس الأرض بالموت

كان هنا فقط

امتداد أرض بين الوادي والجبل

امتداد يتنفس على مهل

كجسد أنهكه الانتظار

لا يثبت في جهة

ولا يعترف بالجدل

ثم سُمّي لاحقًا:

دوّار المصلى.

هنا

الريح لا تمر صدفة

كأنها مكلفة بحراسة الذاكرة

تعرف أسماء البيوت واحدًا واحدًا

وتتوقف قليلًا

لتتأكد أن أصحابها ما زالوا يشبهون أنفسهم.

البيوت مسقوفة بالحطب

ومبنية من حجارة شربت حرارة أيد كثيرة

ثم نسيت الوجوه

لكنها احتفظت برائحة التعب.

في الصباح

يخرج الضوء أولًا

مترددًا بين الجدران الطينية

كأنه يتفقد البيوت بعد غياب.

ثم تخرج النساء

حاملات جرار الماء

وأطباق العجين

يمضين ببطء

كأن الصباح يعلق بطرف أثوابهن.

ومن المنازل

تصعد رائحة الشعير والنار

ودخان خفيف

يتسلق الهواء على مهل

حتى تبدو الأسطح

كأنها تزهر غيمًا صغيرًا.

يصعد الرعاة نحو الجبل

ثم يذوبون في الأفق.

ويغادر الرجال نحو عمل يشبه الاحتمال

يحملون وجوههم إلى جهة لا يعدهم فيها أحد بشيء.

تبتلعهم المنعطفات نحو المزارع

واحدًا واحدًا

كما تبتلع الأرض ماء المطر.

يعود بعضهم

وفي أيديهم ما يكفي لإشعال المساء

ويعود بعضهم

بصمت أثقل من الخبز.

أما الباقون

فتظل أسئلتهم معلقة على الطرقات

مثل قمصان تنشرها الريح.

وفي الليل

يعود السؤال نفسه

إلى عتبته القديمة:

هل لنا ما يكفي للغد؟

الأطفال بين الحرشة والزاوية

يتقاتلون على غيمة من غبار

ثم يتصالحون سريعًا

كأن العالم لم يتعلم بعد

كيف يورثهم خصوماته.

يركضون خلف دراجة صدئة

تتناوب عليها الأقدام والضحكات

ويتقاتلون ببنادق الدفلة

ويقتسمون الغنائم

من ثمار البرقوق غير الناضجة.

ثم ينسى كل جيش

من كان عدوه.

ويضحكون بسرعة

كأن الضحك شيء يجب إنفاقه

قبل أن تدركه الأيام.

وفي آخر الدوار

يجلس رجل مسن كفيف وسط الحفرة

كأنه وتد قديم

تركته الأرض في مكانه

ونسيت كيف تخرجه.

لا يتحرك

لكن الزمن يدور حوله

كعجلة بلا جهة.

كان يقول دون أن يرفع صوته:

"كل من مر هنا...

لم يغادر تمامًا."

ومع السنوات

بدأت الوجوه تقل.

باب أُغلق خلف مسافر

ونافذة ظلت مفتوحة

تنتظر ظله.

هرم الآباء

تحت صور الأبناء

واتسعت المسافات

بين الاسم وصاحبه.

صار الدوار يتسع للغياب

أكثر مما يتسع لأهله.

كانت الساحات تعرف ضجيج المواسم

وتعرف الأعراس

حين كانت الليالي أطول من التعب.

ثم أخذت الأصوات تنطفئ واحدًا واحدًا.

حمل كل واحد عمره

ومضى إلى جهة أخرى من العالم.

وبقيت الأزقة

تحفظ وقع أقدام

لم تعد تمر.

ولم يبق للمصلى موعد بأبنائه

إلا في الجنائز.

هناك فقط

كانت الطرق تستعيد أسماءها القديمة.

يعود الغائبون من مدنهم البعيدة

بملامح أضافت إليها السنوات

ما لم تضفه الحياة.

يتأمل بعضهم بعضًا طويلًا

كأنهم يفتشون في الوجوه

عن الأطفال الذين كانوا.

يسألون عن الأحياء

أكثر مما يسألون عن الميت

وعن الذين غادروا

ثم انقطعت أخبارهم

كما تنقطع السواقي في آخر الصيف.

يمضون خلف النعش

في الطريق نفسه

الذي كانوا يركضون فيه حفاة.

وللحظة قصيرة

يبدو الدوار مكتملًا من جديد

كأن أحدًا لم يغادر

كأن الزمن لم ينجح بعد في تفريقهم.

لكن ما إن يوارى الميت التراب

حتى يتفرق الجميع

وتعود الأزقة إلى صمتها

ويعود الوادي إلى جريانه القديم.

ويظل الدوار وحده

يراقب الغبار المتصاعد خلف المغادرين

كما تراقب أم عجوز

أبناءها وهم يبتعدون.

ومنذ ذلك الوقت

بدأ شيء صغير يختل.

اختلف رجلان

حول اسم صاحب الحقل القديم.

قالت امرأة إنها تتذكر زيتونة.

أقسم آخرون أنها لم تكن موجودة قط.

قيل إن شجرة الصفصاف

كانت أقرب إلى الوادي.

وقيل إنها كانت قنطرة للعبور.

ضحك الجميع أول الأمر

ثم صار كل حديث يحتاج شهادة

وكل ذاكرة تحتاج شاهدًا آخر.

حتى الأمس

لم يعد متفقًا عليه.

ومنذ ذلك الحين

بدأ الدوار يبدل ملامحه ببطء.

لم يعد الضوء يسقط على البيوت بالطريقة نفسها.

صار يميل قليلًا

كأنه يبحث عن زاوية جديدة للعالم.

الجدران أخذت تتقشر من جيرها

كمن يتعلم النسيان بهدوء.

والطريق الذي دشّنته خطى الجدود

وكان يعرفه الجميع

لم يعد يمر من النقطة نفسها

أو ربما لم تعد النقطة نفسها كما كانت.

شيئًا فشيئًا

صار الدوار يراقب سكانه

كما يراقب شيخ أبناءه العائدين من أعمار بعيدة.

لم تعد البيوت وحدها تتقدم في العمر.

كان الدوار نفسه يشيخ.

ثم انكسرت الذاكرة.

لم يعد الماضي شيئًا يُستعاد

بل شيئًا يُعاد اختراعه كل مرة.

"أتذكر ذلك اليوم؟"

"أي يوم؟"

هكذا بدأ الاختلاف

ليس في التفاصيل

بل في أصل الحكاية.

كل واحد صار يحمل ماضيه وحده

دون شهود.

حتى الأشياء تورطت في الخلاف.

حتى كلمة "هنا"

لم تعد تعني المكان نفسه.

وصار التاريخ يُكتب بصمت جديد

لا يحتاج إلى قلم

بل إلى ذاكرة تتعب من نفسها.

وبعد ذلك

لم يعد الاسم مستقرًا.

دوّار المصلى...

أم المصلى فقط...

أم اسم آخر ضاع في الطريق؟

صار النطق نفسه يحتاج حذرًا

كأن الاسم كائن يمكن أن يرفض من ينطقه.

حتى الحجارة التي ظلت شاهدة طويلًا

بدت كأنها نسيت

ما كُتب عليها.

وفي النهاية

لم يعد السؤال:

ما اسم هذا المكان؟

بل:

هل كان له اسم أصلًا؟

ولم يغادر أحد

لكن كل شيء

بدأ يعيش في نسخة أخرى من نفسه.

وفي لحظة لا يمكن تحديدها

تراجع كل شيء خطوة إلى الخلف

ليس ليبدأ

بل ليصمت.

فقط أرض بين الوادي والجبل

تتنفس على مهل

كأنها لم تُسمَّ يومًا

وكأنها لا تزال

في البدء.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق