مساءٌ خريفيٌّ أصفرُ لخمياءَ المنكوب
إهداء
إلى سنواتِ الثمانينيات،
إلى
ذلك الزمنِ الصعب والجميل،
إلى
زملائي معلمي مدرسة عمر بن الخطاب،
وإلى
جنود الحدود،
والرُّحَّل
والرعاة والبسطاء،
وإلى
أهل المنكوب وعين الشعير،
أولئك
الذين عاشوا بعيداً
عن
ضجيج العالم.
أعودُ،
كما يعودُ غبارٌ قديمٌ
إلى الطريقِ الوحيد
بين بوعرفة والمنكوب.
هناك،
حيث تبدأ الصحراء
في نسيان أسمائها.
في المنكوب،
كانت الكثبان الرملية
تجلس
كل مساء
في
أماكنها القديمة،
كعجائز ينتظرن شيئاً
لن
يأتي.
وكانت الصحراء
تبدّل
جلدها مع الغروب،
ثم تتمدد حول القرية
ببطء،
كحيوانٍ أسطوريٍّ
لا
ينام.
كانت محطةُ القطار الشبح
تبدو كلَّ صباحٍ
كأنها
وصلت إلى هنا بالخطأ،
ثم نسيها العالم.
جدرانها الطينية المتهالكة
احدودبت
من صفعات الرياح.
وبابها المعدني
كان
يئنُّ حين يُفتح،
كأنه يستيقظ
من
نومٍ طويل.
أما أشجار الكاليبتوس الهرمة،
فكانت واقفةً عند الساحة
مثل
حرّاسٍ قدامى،
لا يذكرون متى جاؤوا،
ولا لمن ظلوا
يحرسون
المكان.
وكانت مدرسةُ المنكوب
تقف
عند طرف العالم.
أفتح باب القسم،
فأدخل إلى صمتٍ كامل.
صمتٍ
بحجم
الهضاب.
وأكتب بالطباشير الأبيض
على
سبورةٍ متعبة،
كي لا يبتلع الفراغ
الأصوات
الصغيرة.
لا هاتف هنا
غير صفير الريح.
ولا أخبار
غير زوابع الرمل
وهي
تعبر الساحة
كقطيع جاموس هائج.
في الصباح،
يفتح الأطفال كراساتهم،
فتسقط بين السطور
حبّاتٌ
من الصحراء.
ويكتب المعلم:
"هذا وطنٌ فسيح."
فتجيب النافذة المخلوعة
بصفيرٍ
طويل.
كأنها تعرف شيئاً
لا
نعرفه.
تمر شاحنات الباريتين
مثقلةً بغبارٍ أبيض،
كأنها تحمل عظام الجبال
إلى
بلادٍ بعيدة.
أراقبها من نافذة القسم.
تمضي دائماً.
وأبقى.
وعند المغيب،
تبتلع الهضاب الجرداء
آخر
شاحنةٍ متجهة إلى بوعرفة.
فأشعر أن العالم
أغلق
بابه الخارجي.
بعدها
لا يبقى إلا المساء.
وصوت الماعز البعيد.
ونباح الكلاب
الضائع
بين الرمال.
الرُّحَّل
كانوا يظهرون فجأةً
من قلب السراب.
يقودون قطعانهم
عبر
أرضٍ لا نهاية لها.
ويختفون فجأةً أيضاً.
كأن الصحراء
استعارتهم
لبعض الوقت،
ثم استعادتهم.
وعلى التلال البعيدة،
كان جنود الحدود
يتحركون
ببطء.
صغاراً تحت السماء الواسعة.
كأنهم يحرسون
شيئاً
لا يُرى.
أو ينتظرون
عدواً
لن يأتي.
وهناك،
عند طرف المنكوب،
كانت محطة القطار المهجورة.
وحيدةً،
مثل سفينةٍ
جف
البحر من حولها.
تركها الاستعمار ومضى.
وبقيت.
تراقب الشرق.
وتنتظر.
كانت القضبان الصدئة
تمتد نحو الجزائر،
ثم تضيع في الأفق.
وفي الليالي الصافية،
كنت أظن أن المحطة
تتنفّس.
وأن النوافذ المحطّمة
تضيء
للحظة.
فأرى ظلالاً
تعبر
الرصيف.
قبّعاتٍ أوروبية،
وحقائبَ
جلدية،
وضباطاً يجرّون المساء وراءهم.
ونساءً
تلتصق
ضحكاتهن
بزجاج
النوافذ.
ثم ينطفئ كلُّ شيء.
وتعود المحطة
إلى
وحدتها القديمة.
كأن قطاراً شبحياً
ما زال
يمر بها
في ساعةٍ
لا
يعرفها أحد.
أجلس أحياناً
على
الرصيف الخالي.
أراقب خط الحديد
وهو
يهرب نحو المجهول.
وأنتظر قطاراً
أعرف مسبقاً
أنه لن يأتي.
لكن المحطة
كانت
أكثر عناداً مني.
ما زالت تنتظر.
منذ نصف قرن.
وفي القرى المبعثرة،
خلف الأودية الجافة والكثبان،
كان أناسٌ
سقطوا سهواً
من
دفاتر الوقت.
شيوخٌ
يحرسون
مواسم قديمة.
ونساءٌ
ينتظرن
خبراً لا يصل.
وأطفالٌ
يكبرون
ببطء،
مثل شجيرات الرتم.
وفي ليل عين الشعير،
كانت الوحدة
تخرج من غابة النخيل.
تمشي حول الغرفة الطينية.
وتطرق النافذة.
ثم تختفي.
أما النجوم
فكانت منخفضةً
إلى
حدٍّ غريب.
كأن السماء
نسيت
نفسها
فوق غابة النخيل .
كنت أظن أنني أراقب المنكوب.
ثم اكتشفت بعد أعوام
أن المنكوب
هو الذي كان يراقبني.
وكان يحفظ خطواتي
بين
المدرسة والمحطة.
ويجمعها بصبرٍ،
كما تجمع الريح
أوراق
الخريف.
وحين غادرت المكان
لم أغادره حقاً.
فكلما فتحتُ درجاً قديماً
وجدتُ في قاعه
قليلاً
من رمل المنكوب.
وكلما رأيت سكة قطار
تذكرت تلك المحطة
التي ما زالت،
إلى
اليوم،
تنتظر قطارها الضائع،
ذاك الذي خرج ذات مساءٍ
ولم
يعد.
وحين يهبُّ الريح ليلاً،
تخالُه المحطةُ
صوتَ القطار.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق