الأربعاء، 22 يوليو 2026

 

الكولونيل الذي نسي الحرب بعدَ أربعينَ عاماً من موتِهِ، *
عادَ الكولونيلُ بومدين * إلى قصرِ المرادية. فوجدَ البلادَ أكبرَ من خرائطهِ، وأصغرَ من خطاباتِهِ. كانتِ الأشجارُ قد حفظتْ أسماءَ الوزراءِ الذينَ رحلوا، وكانتِ الساعاتُ تدورُ في أماكنِها كأنَّ الزمنَ نسيَ أنْ يموت. وحينَ فتحَ بابَ القصرِ، وجدَ الأبقارَ تتجوّلُ في الممراتِ الرئاسية. تمضغُ المراسيمَ القديمةَ، وتلعقُ أختامَ الجمهورية، وتحدّقُ في صورِ القادةِ بعينينِ لا تعرفانِ المدائحَ ولا البلاغاتِ العسكرية. توقّفَ الكولونيلُ. حاولَ أنْ يطردَها. لكنها كانتْ تتصرّفُ كأنها المالكُ الوحيدُ للمكان. قالَ في سرِّهِ: هل انتصرتُ حقاً؟ أم أنَّ الحربَ طالتْ حتى نسيتْ اسمَها؟ دخلَ قاعةَ الاجتماعات. كانتِ المقاعدُ ما تزالُ تنتظرُ رجالاً ماتوا منذُ زمن. وعلى الطاولةِ الطويلةِ وجدَ ملفاً أصفرَ كتبَ عليه: "أسرارُ ثورةِ التحرير." فتحَهُ. فوجدَ أوراقاً بيضاء. وفي آخرِ الملفِّ ورقةً واحدةً كُتبَ عليها: "المنتصرونَ هم أولُ من ينسى." خرجَ إلى الساحة. فوجدَ شيوخاً يحملونَ مفاتيحَ صدئة، ونساءً يحملنَ أسماءَ مدنٍ لم تعدْ تعرفُهن، وأطفالاً كبروا قبلَ أنْ يصلوا إلى بيوتِهم. قالوا: يا سيدي الرئيس... أتذكرُ ذلكَ الشتاء؟ أتذكرُ الحافلاتِ المحمّلةَ بالدموع؟ أتذكرُ الأبوابَ التي أُغلقتْ باسمِ الثورة؟ نظرَ إليهم. كانوا يشبهونَ صوراً رآها يوماً في حلمٍ بعيد. ثمَّ سألوه: لماذا استمرّتِ الحربُ؟ أرادَ أنْ يجيب. بحثَ في جيوبِهِ. وفي نياشينِهِ. وفي خطاباتِهِ. وفي دفاترِ هيئةِ الأركان. وفي نشراتِ الأخبار. ولم يجدْ إلا الصمت. كانَ يتذكّرُ كيف بدأتِ الحرب. لكنَّهُ لم يعدْ يتذكّرُ كيف تحوّلتْ إلى مهنة. ولا كيفَ صارَ الجنودُ يحرسونَ حدوداً لا يتذكّرُ أحدٌ من رسمها. عادَ إلى القصرِ. كانتِ الأبقارُ ما تزالُ تمضغُ المراسيم. كأنَّها تعرفُ أنَّ السلطةَ حينَ تموتُ تتركُ وراءها ورقاً أكثرَ ممّا تتركُ عدالة. عندَ الفجرِ، عادَ الكولونيلُ إلى صورتِهِ المعلّقةِ على الجدار. لكنَّ الحارسَ العجوزَ أقسمَ أنَّ الإطارَ ظلَّ فارغاً. وأنَّ الأبقارَ لم تغادرِ القصر. بل راحتْ تجترُّ خطباً قديمةً حتى طلعَ النهار.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق