الخميس، 10 سبتمبر 2026

الوعود التي تعرف الطريق

 

الوعود التي تعرف الطريق

إهداء

إلى المناضل بيبيش
شجرة الزيتون العتيقة
التي صمدت طويلا
وماتت واقفة


في قريتي
بين الجبال،

يأتي موسم الوعود
كما يأتي الجراد،
وكما يأتي الخريف.

تظهر السيارات
من وراء المنعطفات،
وتصعد الطريق
كأنها تصعد أنفاسنا المتعبة.

يهبط منها رجال
بربطات عنق لامعة،
وأحذية
لا تعرف الغبار.

يصافحون الناس،
ويوزعون الوعود
كما يوزع الخبز
في المواسم.

وفي الليالي الأخيرة

صار الدقيق
أكثر بياضا،

وصارت المصافحات
أطول من العادة.

يتكاثرون في الزوايا،
ثم يتكلمون كثيرا
عن الغد.

وفي موسم الصناديق

تخرج الخصومات القديمة
من تحت الرماد.

بيت يعرف بيتا
منذ أول خصومة،
وعائلة تحمل اسمها
كما تحمل خصومتها.

يأتي المرشح
ولا يسأل:

ماذا تريد القرية؟

يسأل:

من معك؟

ومن معك؟
ومن معه؟

ثم يجلس مع الكبار،
فتكبر الوعود
على موائدهم،

ويحمل الفقراء
أكياسهم
إلى البيوت.

وفي المساء

تعلو الرايات،
ويعلو معها
صوت القبيلة.

كانت الأنساب
أعلى صوتا
من المدرسة والطريق،

وكانت الراية
أثقل من العم والشقيق.

يعرفون الحكاية كلها،
لكنهم يبتسمون
حين يمر الموكب.

وفي الليل

تعود الخصومات
إلى بيوتها،
وتبقى هناك
للموسم القادم.

ويغادر المرشح
مع آخر سيارة،

ويترك خلفه
بعض الوعود،
وبعض الغبار،
وخصومة جديدة
للموسم القادم.

في الساحة العتيقة
عند عين إسبيلية،

يجلس شيخ أحدب
يشبه زيتونة هرمة.

لا يصفق.
لا يعترض.

يهز رأسه فقط،
كأنه يعرف
كيف تنتهي الحكاية.

يا دبدو،

كم مر من هنا
رجال حملوا خرائط الخلاص
وقالوا:

غدا تصل المياه،
وغدا تعبد الطرق،
وغدا تفتح المدرسة أبوابها
للشتاء القادم.

ثم مضوا.

بقيت المدرسة باردة،
وبقيت الطريق
تغسلها السيول،

وبقي النبع
يروي للحجارة
حكاية الماء.

وفي البلدية العتيقة
تنام الملفات الصفراء.

تصعد طلبات الناس
السلالم ببطء،
ثم تختفي في الأدراج،

كأن الخشب
يبتلع الأصوات.

ثم يأتي يوم الصندوق.

منذ الفجر

يصطف الناس
أمام المدرسة القديمة،

كما يصطفون
أمام بئر
في عام قحط.

يدخلون واحدا واحدا،
ويخرجون واحدا واحدا،

بينما الجبال
لا تنتخب أحدا.

وفي الليل

تتراكم الأوراق
فوق الطاولات،

وما إن ينتهي العد

حتى يصير الرجل
أطول من مئذنة القرية.

ثم يأتي الليل
سريعا.

تنطفئ الزينة،
وترحل السيارات،
ويعود الغبار
إلى مكانه القديم.

ينطفئ الكلام،

ويبقى بائعو الخضر
على الأرصفة،
يقاسمون النهار
ما تبقى من الشمس.

وفي المقهى

يتحجر العاطل
فوق كرسيه،

يدخل سباته الشتوي
حتى الربيع،

ثم توقظه
رائحة الانتخابات.

وتعود القرية
إلى وحدتها،

تحت القمر،
بين المقابر والشعاب
وبساتين الزيتون،

كأنها
وريثة حزن قديم.

تتناقله البيوت
من جيل إلى جيل،

كما تتناقل
مفاتيح الأبواب،
وأشجار الزيتون،

وندبة قديمة
في خاصرة البلدة.

خلفها رجال
رسموا خطوطا على الورق.

فاستيقظ الأخ
في جهة،
واستيقظ أخوه
في جهة أخرى.

وبقي الوادي
يحفظ الاسم الواحد
لضفتين.

وكانت الجبال
ترى كل شيء:

أكياس الدقيق،
والوعود،
والرايات،
والخصومات.

ثم تعود إلى صمتها،

لأنها تعرف
أن الحجر
لا ينتخب أحدا.

ففي قريتي

لا تموت الوعود الكاذبة.

إنها تعرف الطريق.

تعود كل خريف،

بوجوه جديدة،
وربطات عنق جديدة،
وأسماء جديدة.

أما الخيبة
فتبقى هنا،

جالسة
عند عين إسبيلية،

إلى جوار الشيخ الأحدب،

تحت الشجرة المتحجرة
التي تعرف أسماء الموتى
أكثر مما تعرف أسماء الأحياء.

وتنتظر

موسما آخر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق