السبت، 12 سبتمبر 2026

الوعود التي تعرف الطريق

الوعود التي تعرف الطريق
إهداء
إلى المناضل بيبيش..
شجرة الزيتون العتيقة
التي صمدت طويلاً،
وماتت واقفة.

في قريتي المصلوبة بين الجبال،
يأتي موسم الوعود كالجراد.. كالخريف.
تطلُّ السيارات من خلف المنعطفات،
تصعد الطريق الوعر،
كأنها تصعد أنفاسنا المتعبة.
يهبط رجالٌ بربطات عنقٍ لامعة،
وأحذيةٍ لم تذق يوماً طعم الغبار.
يصافحون الناس،
ويوزعون الوعود كخبز المواسم.
في الليالي الأخيرة..
صار الدقيقُ أكثر بياضاً،
والمصافحات أطول من العادة.
يتكاثرون في الزوايا،
ويتكلمون كثيراً عن الغد.

وفي موسم الصناديق..
تخرج الخصومات القديمة من تحت الرماد.
بيتٌ يعرف بيتاً منذ أول ضغينة،
وعائلةٌ توارث اسمَها كما توارث جرحَها.
يأتي المرشح.. لا يسأل:
"ماذا تريد القرية؟"
يسأل فقط:
"مَن معك؟ ومَن معه؟"
يجلس مع الكبار،
فتكبر الوعود على الموائد..
بينما يحمل الفقراء أكياسهم إلى بيوت الطين.

في المساء..
تعلو الرايات، ويعلو صوت القبيلة.
كانت الأنسابُ أعلى صوتاً من المدرسة والطريق،
وكانت الرايةُ أثقل من الدم والشقيق.
يعرفون الحكاية كلها،
لكنهم يبتسمون والموكب يمر.
في الليل..
تعود الخصومات إلى مخادعها،
تنام هناك.. للموسم القادم.
ويغادر المرشح مع آخر سيارة،
مخلفاً وراءه بعض الوعود، وبعض الغبار،
وعداوةً جديدة للموسم القادم.

في الساحة العتيقة.. عند "عين إسبيلية"،
يجلس شيخٌ أحدب يشبه زيتونة هرمة.
لا يصفق.. لا يعترض..
يهز رأسه فقط،
كأنه يعرف كيف تنتهي الحكاية.
يا "دبدو"..
كم مرّ من هنا رجالٌ يحملون خرائط الخلاص؟
قالوا: "غداً تصل المياه، غداً تُعبّد الطرق،
وغداً تفتح المدرسة أبوابها للشتاء".
ثم مضوا..
بقيت المدرسة باردة،
بقيت الطريق تغسلها السيول،
وبقي النبع يروي للحجارة حكاية الماء.

في البلدية العتيقة.. تنام الملفات الصفراء.
تصعد طلبات الناس السلالم ببطء،
ثم تختفي في الأدراج.. كأن الخشب يبتلع الأصوات.
ثم يأتي يوم الصندوق..
منذ الفجر، يصطف الناس أمام المدرسة القديمة،
كما يصطفون أمام بئر في عام قحط.
يدخلون فرادى، ويخرجون فرادى..
والجبال لا تنتخب أحداً.
في الليل..
تتراكم الأوراق فوق الطاولات،
وما إن ينتهي العدّ،
حتى يصير الرجل أطول من مئذنة القرية!

ثم يحلّ الصمت سريعاً..
تنطفئ الزينة، وترحل السيارات،
ويعود الغبار إلى مكانه القديم.
ينطفئ الكلام..
ويبقى بائعو الخضر على الأرصفة،
يقاسمون النهار ما تبقى من ضوء الشمس.
في المقهى..
يتسمر العاطل فوق كرسيه،
يدخل سباته الشتوي حتى الربيع،
لتوقظه مجدداً.. رائحة الانتخابات.

تعود القرية إلى عزلتها.. تحت القمر،
بين المقابر، والشعاب، وبساتين الزيتون،
كأنها وريثة حزنٍ سحيق.
تتناقله البيوت جيلاً بعد جيل،
كمفاتيح الأبواب، وأشجار الزيتون،
وندبةٍ قديمة في خاصرة البلدة..
خلفها رجالٌ رسموا خطوطاً على الورق،
فاستيقظ الأخ في جهة، وأخوه في جهة أخرى..
وبقي الوادي يحفظ الاسم الواحد لضفتين.
كانت الجبال ترى كل شيء:
أكياس الدقيق، الوعود، الرايات، والخصومات..
ثم تعود إلى صمتها،
لأنها تعرف أن الحجر لا ينتخب أحداً.

في قريتي.. لا تموت الوعود الكاذبة،
إنها تعرف الطريق جيداً.
تعود كل خريف بوجوه جديدة، وربطات عنق جديدة.
أما الخيبة.. فتبقى هنا،
جالسةً عند "عين إسبيلية"..
إلى جوار الشيخ الأحدب،
تحت الشجرة المتحجرة التي تحفظ أسماء الموتى..
أكثر مما تعرف أسماء الأحياء.
وتنتظر.. موسماً آخر.
 

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق