الخميس، 24 سبتمبر 2026

حين يغادر اليسار المصنع إلى الجامعة: كيف تحولت النقابات إلى شركات خدمات؟

 

 

حين يغادر اليسار المصنع إلى الجامعة: كيف تحولت النقابات إلى شركات خدمات؟

يشير ما يمكن تسميته بـ«الانهزام التاريخي لليسار» إلى أكثر من مجرد تراجع انتخابي عابر. إنه، في جانب منه، تراجع في الصلة التي كانت تربط اليسار بقاعدته الاجتماعية الأصلية: العامل، والمصنع، والنقابة، والصراع حول الأجر والعمل والثروة.

لم يعد الأمر مجرد خسارة في صناديق الاقتراع، بل تحولا في طبيعة الخطاب نفسه، وفي الأشياء التي اختار اليسار أن يراها وأن يتحدث عنها.

من المصنع إلى الجامعة

كان المصنع ذات يوم مختبر اليسار الحقيقي.

هناك كانت الأسئلة بسيطة وقاسية: من يعمل؟ من يملك؟ من ينتج؟ من يأخذ النصيب الأكبر من الثروة؟ وكم يساوي يوم العامل؟

ثم حدث شيء ما.

غادر اليسار المصنع، ودخل الجامعة.

وبدل أن يبقى العامل موضوعه المركزي، ظهرت أمامه خرائط جديدة للهوية والثقافة واللغة والجندر والأقليات. لم تختف القضايا القديمة تماما، لكنها فقدت موقعها في مقدمة المشهد.

صار اليسار يفتش عن قضايا جديدة كما يفتش المنقب عن عروق جديدة في أرض قديمة: البيئة، النسوية، الأقليات العرقية، الأقليات الجنسية، السكان الأصليون، والسياسات الرمزية بمختلف أشكالها.

ليس معنى ذلك أن هذه القضايا بلا أهمية، ولا أن أصحابها لا يملكون حقوقا حقيقية. لكن السؤال الذي يستحق أن يطرح هو: متى تحولت هذه القضايا من امتداد للنضال الاجتماعي إلى بديل عنه؟

فحين يصبح الحديث عن الهوية أكثر حضورا من الحديث عن الأجر، وعن تمثيل الأقليات أكثر من الحديث عن تمثيل العامل، وعن اللغة أكثر من الحديث عن شروط العمل، يكون اليسار قد غيّر، من حيث يدري أو لا يدري، مركز ثقله.

لقد انتقل الصراع من المصنع إلى الجامعة، ومن الآلة إلى اللغة، ومن الأجر إلى الرمز.

وهنا بدأت المسافة تكبر بين المناضل والعامل.

النقابة التي دخلت المكتب ولم تخرج منه

وفي النقابات حدث تحول مواز.

كانت النقابة في أصلها أداة لتنظيم القوة الجماعية للعمال. كانت تستمد وجودها من قدرتها على الضغط، والتفاوض من موقع القوة، والإضراب حين يفشل التفاوض.

لكن النقابة يمكن أن تتحول، مع الزمن، إلى شيء آخر.

تبدأ بمقر صغير، ثم يصبح للمقر موظفون، وللموظفين لجان، وللجان مكاتب، وللمكاتب ميزانيات، وللميزانيات حراسها.

وبعد سنوات، قد يصبح الحفاظ على المؤسسة أهم من الحفاظ على الغضب الذي أنشأها.

وهنا تبدأ النقابة في فقدان أسنانها ببطء.

لا أحد يعلن موتها.

تبقى اللافتة معلقة، والبيانات تصدر، والاجتماعات تعقد، والخطب تلقى.

لكن شيئا ما يكون قد تغير.

تصبح النقابة وسيطا أكثر منها قوة اجتماعية، ومؤسسة لإدارة النزاع أكثر منها أداة لتغييره.

وفي هذا السياق، يظهر ما يمكن تسميته بـ«المحاورين الصالحين»: قيادات نقابية تعرف حدود اللعبة، وتعرف متى تتكلم ومتى تصمت، ومتى ترفع السقف ومتى تخفضه، ومتى تدخل قاعة الحوار ومتى تخرج منها.

قد تختلف هذه القيادات في الشعارات، وفي الألوان، وفي أسماء النقابات، لكنها تتشابه كثيرا في الوظيفة.

تدور الكراسي.

يتغير الجالسون.

وتبقى الطاولة في مكانها.

أما العامل، فيبقى خارج القاعة، يسمع أحيانا عن الاتفاق الذي جرى باسمه.

الحوار الاجتماعي أم إدارة الصمت؟

هكذا يتحول الحوار الاجتماعي، شيئا فشيئا، إلى طقس بيروقراطي.

تجلس الإدارة إلى الطاولة.

وتجلس النقابات في الجهة المقابلة.

تُفتح الملفات.

تُغلق الملفات.

تُحرر المحاضر.

تُعلن النتائج.

ثم يعود الجميع إلى مكاتبهم.

وفي الخارج يبقى السؤال القديم:

ماذا تغير؟

المشكلة ليست في الحوار ذاته؛ فالحوار جزء طبيعي من أي علاقة مهنية ناضجة. المشكلة تبدأ عندما يصبح الحوار بديلا عن القوة الاجتماعية، وعندما تتحول النقابة من ممثل لمصالح القاعدة إلى وسيط يطلب من القاعدة أن تتكيف مع ما تم الاتفاق عليه.

عندها لا يعود السؤال: ماذا انتزع العمال؟

بل: ماذا استطاعت المؤسسة النقابية أن تحافظ عليه؟

وهذا فرق كبير.

حين يفقد العامل لغته

الأخطر من ذلك أن القواعد نفسها بدأت تفقد اللغة التي كانت تعبر بها عن مصالحها.

اختفت تدريجيا كلمات مثل الاستغلال، والربح، والريع، والملكية، والصراع الاجتماعي، وحل محلها قاموس تقني أكثر نعومة: الحكامة، الشراكة، المقاربة، التوافق، التدبير، وإعادة الهيكلة.

لم يعد العامل يقول: «هذا حقي».

بل صار يسمع كثيرا: «سنبحث الأمر مع الشركاء الاجتماعيين».

وبين الجملتين ضاع شيء مهم.

ضاع الغضب.

وضاعت معه أحيانا القدرة على التنظيم.

ولذلك ليس غريبا أن تظهر الاحتجاجات الاجتماعية خارج القنوات النقابية التقليدية. حين لا يجد العامل صوته داخل المؤسسة التي يفترض أن تتحدث باسمه، فإنه يبحث عن صوت آخر.

في الشارع.

في التنسيقيات.

في الحركات الفئوية.

في المبادرات المستقلة.

وأحيانا بلا قيادة أصلا.

النقابة في زمن المعارك الجديدة

وقد يكون المستقبل أكثر غرابة.

فإذا استمر اليسار في الابتعاد عن المسألة الاجتماعية، وإذا استمرت النقابات في التحول إلى مؤسسات للوساطة، فقد نجد أنفسنا أمام نقابة تعرف الكثير عن البيئة والهوية واللغة والرموز، لكنها لا تعرف بما يكفي عن الأجر الذي يدخل به العامل آخر الشهر إلى بيته.

مرة أخرى، ليست المشكلة في البيئة، ولا في حقوق النساء، ولا في حقوق الأقليات، ولا في أي قضية إنسانية أخرى.

المشكلة تبدأ حين يصبح الدفاع عن هذه القضايا طريقة للهروب من الأسئلة التي كانت في صميم العمل النقابي:

من يملك؟

من يقرر؟

من ينتج؟

من يحصل على الثروة؟

ومن يملك القدرة على التفاوض؟

لأن النقابة التي تدير الرموز أكثر مما تدافع عن المصالح، قد تجد نفسها بعد سنوات جزءا من المنظومة التي كان وجودها التاريخي قائما على مراقبتها ومقاومتها.

وفي النهاية...

ربما لم يختف اليسار.

ربما غيّر عنوانه فقط.

ترك المصنع، وانتقل إلى الجامعة.

وترك الآلة، واشتغل على اللغة.

وترك العامل، وبدأ يبحث عن قضايا جديدة.

أما النقابة، فقد تركت الشارع ودخلت المكاتب.

وهناك، بين الملفات والمحاضر وطاولات الحوار، حدث شيء غريب:

صار الجميع يتحدث باسم العامل،
إلا العامل نفسه.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق