الجمعة، 29 مايو 2026

 

بورتريه بأحرف كبيرة

أنا واحدٌ
من أولئك الذين
تعبرهمُ المساءاتُ
دون أن تلتفت إليهم الأرصفة.

أمشي
كظلٍّ تأخّر عن صاحبه،
كفكرةٍ منسيّة
في رأس قرية  متعبة.

في كلِّ حكاية
أربحُ ثانيةً إضافية
كي لا يموت قلبي
دفعةً واحدة،
ثم أذوبُ ببطء
في النسيان.

لم أكن أشعبَ
على موائد أبي العتاهية،
ولا نديمًا
في بلاط العباسية.

أنا متحفٌ
للأحاسيس القديمة،
أرتّبُ الخرائب
داخل رأسي
كما يرتّب الفقراء
أوانيهم الرمادية .

وفي الليالي الطويلة
أسأل نفسي:

من أكون؟

رقمًا عابرًا
في ذاكرةٍ رقمية ؟
أم صوتًا مجنون
بالمصادفة نجا
من مقصلة الصمت؟

أنا قطرةٌ
من مطر دبدو،
ورطوبةُ من عينٍ
في تافرانت،
وصدى بيانو
تبعثرهُ الريح
في الكعدة.

أنا حرفُ علّة
في ناي البلدة الحزينة.

أنا القطنُ والسوط،
انا الهشاشةُ
وما تبقّى من القوة.

أعود دائمًا
إلى الوراء
كي أُنقذ نفسي
من نفسي.

أنا المعقّدُ
في عين الجاهل،
والواضحُ
كماء تافرنت
عند أصحاب البصيرة.

أنا دهشةٌ قصيرة
أمام خلق الله،
ثم انطفاءٌ طويل.

ثم انكفاء عليل

كنتُ راعيًا
أعرف أسماء الريح،
وفلّاحًا
يقتفي خطوات  المواسم،
أركضُ خلف الضوء
وأصادقُ التراب.

ثم كبرتُ
وصرتُ طائرًا أزرق
يحملُ أديم الأرض
وزرقة السماء.

لا أحبُّ القوافل،
ولا تصلحُ ظهري
لسروج القبائل.

أنا الجرّاحُ
في غرفةِ عمليات التعليم،
وأنا الجرثومةُ أيضًا
تحت مجهر الوزارة.

أنا الحارسُ الأخير
لفصلٍ مهجور،
تنامُ فيه الطباشير
مثل عظامٍ بيضاء.

أنا المتعطّشُ
للألوان،
للزهور،
لأصوات العصافير
وهي تنظّفُ الصباح.

أنا معلّم أطفال،
ومشّاءُ طرقٍ لا تنتهي،
لم أخترع شيئًا،
لكنني
منحتُ صوتًا
للذين ابتلعهم الغبار.

أنا طريقٌ ترابيّ
نسيته الخرائط،
وزهرةٌ هامشية
تنمو خارج انتباه العالم،
وحجرٌ
يتعلّم الصبر
من  تحت أقدام العابرين.

وأحيانًا
أكونُ عشبةً بريّة
تكبرُ وحدها
قرب مدرسةٍ نائية
تطفئها الرياح
كل مساء.

أنا الذي يتعثّر
ويواصل الطريق.

أنا العقربُ
تحت الحجر،
الذي لا يريد
أن يكون عصفورًا جريحًا
مرةً أخرى.

أنا الذي لا ذاكرةَ له
ولا ينسى شيئًا.

أنا الذي يكنسُ الظلام
بمقشّة الضوء.

لا أحبُّ المشاكل،
ولا تدخلُ التماثيلُ
إلى ذاكرتي،
ولي حساسيةٌ
ضد الصفاء الأبله.

غضبتُ كثيرًا
حتى تشقّقت أعصابي،
لكنني ما زلتُ
أحبُّ الخبز،
والشاي،
والسهر الطويل،
والمودّة الصغيرة
بين البشر.

أتأمّلُ الله
في الأشجار،
وفي تعب الوجوه،
وأنتظرُ المطر
كما ينتظر الفقراء
الرحمة.

أنا رجلٌ من العباد
لا يفوز كثيرًا،
لكنّه يحملُ
فخرًا خافتًا
كجمرةٍ تحت الرماد.

أنا الحارُّ والبارد،
المأوى والكلمات،
الذي يجمعُ بقاياه
من كلّ الجهات.

أنا قليلٌ من الكثير،
وكثيرٌ من القليل.

أنا الصفحةُ الأخيرة
في كتابٍ
تعبَ من القراءة.

أنا الحزنُ
حين يتعلّمُ
مداواة نفسه
بالشعر.

خضتُ
مئة ألف مباراة شطرنج
في معابد الصمت والظل،
حيث يُعلَّق الكبرياء
مثل معطفٍ قديم.

اقتفيتُ خطى
غابرييل غارسيا ماركيز
وبابلو نيرودا،
وحملتُ أحلامَ الثائرين
مثل حقيبةٍ مثقوبة.

عبرتُ معسكراتِ التاريخ
كلَّها،
حتى وجدتُ نفسي
آخر الليل
حارسا  في خيمةِ معاوية.

شنقتني الأحبار
في الثورة الروسية،
وأيقظتني
الثورة الفرنسية
على خشبةِ مسرحٍ محترق.

ولجت عصر الانحطاط

مزّقتني الأيديولوجيات
حتى اختلطتْ عليّ
الراياتُ والسياط.

أنا الذي لا يستطيع
أن يمنحك شيئًا،
ولا يستطيع
النجاةَ بدونك.

أعيش على الأرض،
لكن قلبي
معلّقٌ بالسحاب.

أبكي إذا ضحكت،
وأصمتُ إذا نظرت.

أنا القمرُ الحزين
الذي خمد نصفُ نوره،
ونشيجُ الريح
في غرفة الروح.

أنا المتعبُ
من العصور البائدة،
الذي ما يزال
ينتظرُ الأعراسَ العائدة،
ويشكرُ الله
لأن الخبز
ما زال فوق المائدة.

أنا الرجلُ
الذي يصلحُ لكلِّ شيء
ولا يصلحُ لشيء.

أنا الذي يتركُ
مكانًا للحب
في أكثر الرؤوس ازدحامًا،

ويتوقّع المعجزة
في أبسط الأشياء.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق