إلى النقابات الغامضة
إلى النقابات
التي رافقت سنواتي التعليمية
منذ الثمانينات،
وكرّستني
ضحيةً أنيقة
في أرشيف النظامين.
مساء الخير
أيها السادة.
اسمحوا لي
أن أمرّ للمرة الأخيرة
أمام حدائق نضالاتكم،
وأن أتأمل
هذه الورود البلاستيكية
التي لا تذبل
ولا تفوح منها الحياة.
لا تخافوا مني…
رائحتي عابرة،
رائحةُ معلّمٍ عجوز
أنهكه الطباشير،
وصوتي المتحشرج
يخرج بالكاد
من بئرٍ جافة.
أعرفُ جيدًا
أن الحياة تنكّرت لي،
تلك الحياة
التي اخترتموها لي
بعنايةٍ بيروقراطية.
وأعرف
أن هذا الصمت
أشدُّ من الحديد،
وأكثرُ بقاءً
من خطاباتكم.
دعوني أرى
كلَّ الأسرار
التي احترقت
وصرخت طويلًا
داخل هذا الصمت الرهيب،
ثم سقطت
ميتةً
دون أن يجيبها أحد.
دعوني أشعر
ولو لمرّةٍ أخيرة
أن الحقيقة
ليست متاهةً كاملة،
وأن حياتي
التي وهبتها للتعليم
لم تكن مجرد صمت.
كانت شيئًا آخر…
شيئًا أقوى
من همسات المنافقين
ورائي،
وهم يتآمرون
بأصواتٍ خفيضة
تحت هذا السقف الميت.
دعوني أنظر
إلى المدرسة القديمة،
بعينيها السوداوين،
كمصباحٍ صغير
رفض أن ينطفئ
في هذا الجسد الحجري الأبدي.
دعوني أبكي
بسلام
فوق مكتبي القديم،
لألمس جلدي المحترق،
وأجمع روحي
المتناثرة
كزجاجٍ مكسور.
لماذا تركتني
أسقط وحدي
يا زميلي؟
هل كانت الأسوار
أثقل من قلوبنا؟
لا تقل:
لقد نسي كلَّ شيء.
بعضُ الهزائم
تبقى حيّة
حتى بعد موت أصحابها.
لا شيء
أكثرُ جديةً
من الموت
بغبار الطباشير.
ولا شيء
أكثر رعبًا
من زملاء
تحوّلوا ببطء
إلى وحوشٍ
تبتسمُ أثناء الافتراس.
ولا شيء
أكثر مرارة
من انتظار
ما لن يأتي أبدًا.
جسدي مقلوبٌ
رأسًا على عقب،
وكلامي
معلّقٌ
في منتصف الطريق.
ولم يعد بوسعي
أن أفعل شيئًا
سوى الاعتراف:
أنا معلّمٌ متعب…
ليس أكثر.
ذكريات الماضي
لن تغادرني،
حتى لو عدتُ
إلى جسدي القديم
وحاولتُ نسيانها.
لقد ضاقت الأرضُ بي
حتى صرتُ
أحدّق في القمر
كمن يبحث
عن نصيبه الأخير
من العزاء.
الحظُّ
خاصمني منذ زمن،
ولم يترك لي
إلا هذا الركض المجنون
نحو قممٍ بعيدة
قد أموت
قبل أن ألمسها.
لا أحد
يحتضن الكلمات الآن،
ولا أحد
يصغي للأناشيد القديمة.
في حدائقكم
لم يبقَ
سوى الأفاعي.
وفي رأسي
تتكدّسُ
آياتٌ سوداء،
وظلامٌ
يهبط ببطء
على جفني الثقيل.
لا شيء هنا…
فقط
مراسيم سرية
لجنازة معلّم.
ذهب الجميع،
وتركوك وحدك
تواجه الغبار.
اسمحوا لي
أن أمرّ
للمرة الأخيرة
أمام حدائقكم.
اسمحوا لي
أن أتذكّر…
ثم أنسى.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق