محكمة الذاكرة
بعد أن نامتِ العصور
واطمأنَّ الغبارُ
إلى كتفي الكتب،
فتحَ الزمنُ
آخرَ محكمة
لا قاضٍ
ولا شاهد.
لا واعظٌ...
ولا عابد.
كان فيها فقط...
أسماء.
كلُّ اسمٍ
يجرُّ وراءه
قرنًا من الصراخ،
وقرنًا من الرماح،
وقرنًا
يبحثُ
عن شاهدٍ
لم يُولد.
رأيتُ رجلًا
يحملُ على ظهره
تمثالًا
من الرخام.
قالوا:
هذا قديس.
ولم يسألْ أحدٌ
كم مرةً
ركع
للوجع،
قبل أن يركعَ
له
الرخام.
ورأيتُ آخر
يجرُّ خلفه
سلسلةً
من اللعنات.
قالوا:
هذا
طاغيةُ الطغاة.
ولم يسألْ أحدٌ
من أشعل
أولَ نار،
ومن صاغ
أولَ لعنة،
ومن تركها
تكبر
مثلَ يتيمٍ
في الطرقات.
وهنا...
لا يُوزَنُ الرجالُ
بما عاشوه،
بل
بما بقي منهم
في أفواه الآخرين.
كلُّ جيلٍ
كان يدخل
وفي يده
فرشاة.
يمحو لونًا...
ويضيف الوان ...
حتى اختفت
الوجوه.
وبقيت
الأقنعة.
ثم...
فُتح الباب.
ودخل رجلٌ
كانت التهمةُ
تمشي أمامه،
وكان المجدُ
يمشي
خلفه.
وبينهما...
ضاع
التاريخ و الإنسان.
دخل...
والصمتُ
يزيحُ
الناسَ
عن طريقه.
لم يحمل
سيفًا.
بل حمل
صندوقًا
امتلأ
بأسئلةٍ
لم يجد
لها التاريخ
جوابًا.
قال:
أنا
ذلك الذي
تركتموه
بين كلمتين:
جلاد...
أو منقذ.
ولم تمنحوه
حقَّ
أن يكون
إنسانًا.
قال:
عدّوا
الرؤوس
التي سقطت...
ثم
عدّوا
السنابل
التي بقيت.
اكتبوا
صليلَ الحديد...
ثم
اكتبوا
صمتَ الصحراء
حين نامت
بلا خوف.
اكتبوا
النار...
ثم
اكتبوا
البيوت
التي
لم تبلغها.
اكتبوا
الدم...
ثم
اكتبوا
الحدود
التي
لم تسقط.
واكتبوا...
أنَّ الدولة
ليست
قصيدةً
ولا مقصلة.
إنها
كتفٌ
يحملُ
الريحَ
والسيفَ
معًا.
واكتبوا...
أنَّ الحروف
كانت
تضيع.
وأنَّ المصحف
كان يبحث
عن عينٍ
تحرسُ
المعنى
من التيه.
ثم ابتسم.
ابتسامةً
تعبت
من الانتظار.
وقال:
لا أريد
أن تمسحوا
دمي.
ولا أن تغسلوا
يدي.
فالسلطة...
ليست
ثوبًا
أبيض.
وليست
ثوبًا
أسود.
إنها
ثوبٌ
خاطه
الدمُ،
والترابُ،
والضرورة.
لكن...
لا تتركوني
داخلَ قناعٍ
خاطته
خصوماتُ الأمس،
ثم
عبدته
القرون.
عندها...
عرفتُ
أنَّ الرجل
كان
الحجاج.
ولم أندهش.
لأنني
لم أكن أسمع
صوته
وحده.
كنتُ أسمع
كلَّ الذين
اختزلهم
التاريخ
في كلمة.
ومنذ تلك الليلة...
كلما فتحتُ
كتابًا
في التاريخ،
لم أعد
أنفضُ
الغبار
عن الصفحات.
كنتُ
أنفضُ
الغبار
عن الأحكام.
فكم من وجهٍ
قتلته
جملة.
وكم من رجلٍ
عاش
ألفَ عامٍ
داخلَ
تهم مدان .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق